النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة في قصة "للبحر وجه آخر"


قراءة في قصة "للبحر وجه آخر"

بقلم : رحاب الخطيب


للبحر وجه آخر...عنوان اختاره أديبنا لمجموعته القصصية التي نشرها بعنوان (للبحر وجه آخر) وهو ايضاً عنوان قصة توسطت المجموعة لتتألق قصة واقعية يتخللها بعض الرمز مؤدية معان وأحداث تصدرت الزمان فتركت آثارا لا تمحي ..
للبحر وجه .. فما هو هذا الوجه الذي قصده كاتبنا ؟
عناصر القصة بدت واضحة شاخصة بحضورها في يوم صيفي حار فالسماء مسمرة في وسط السماء تصب لهيبها على الرؤوس فالزمان تجلى في هذه الصورة الفنية المعبرة عن حرارة الشمس اللهيبة فتشعرنا بعدم التحمل ، كذلك المكان حيث قعد البطل في مقدمة الباص ينظر من النافذة متأملا حركة الناس والسيارات في الشارع المزدحم فالمكان موقف للباصات وشاطئ البحر، أما الشخوص بعضهم من الشخصيات الثانوية التي تمر هنا وهناك وركاب الباص الذين ورد ذكرهم لإضفاء حركة وحياة على أحداث القصة لكن الشخصيتين الرئيستين هما البطل والفتاة التي تجرأت ودخلت حياته.. أدخلنا إلى عالم القصة من خلال وصفه لمظهر البطل ( وضع العكازين المعدنيين بجانبه أسفل المقعد) وفيها أيضا إيماءة للوضع الصحي الذي يعاني منه البطل...
أما الأحداث فتجري في مكانين هما الحافلة وشاطئ البحر...
حياتنا نحياها نرسمها كما نريد لكن أحيانا نلقى أناسا نمر بهم قد يغيرون خطوط لوحتنا فتكون اللوحة بخطوط وألوان أخرى قد تكون أجمل أو لا...
( أخيرا سيجلس إلى شاطئ البحر على حافة المياه سيستمع إلى صوته ووشوشاته الحالمة للرمال.. إلى عبث الأمواج الخفيفة وهي تعابث الشاطئ كصبية مدللة...تقترب قليلا لتبتعد مرة أخرى ) كما عهدناك أديبنا فأنت تذلل الصورة لتعبر عن حلم للبطل جسد في مخيلته تمنى أن يحياه فما أجمل أن نصور الأمواج الخفيفة ومداعبتها للشاطئ كصبية مدللة ...صورة جميلة أشعرتنا برقة وشاعرية العلاقة بينهما ... والبحر كذلك يوشوش الرمال فيدغدغ مشاعرها لتصبح أرق وأجمل...
الأسلوب المتخذ من خلال أحداث القصة تخلله المونولوج الداخلي فهو من أجمل الأساليب التي تشد القاريء لتبعد عنه السأم فيتأثر بما يقرأ ويعيش الحدث وكأنه حاضر.
البحر لدى البطل يعني الكثير فهو الهدوء والجنون,والبحر يعبر عن فلسفة الحياة الممتدة عبر الزمان في بدايته ونهايته , إن كانت هناك نهاية .
لديه تراتيل غامضة لا يسمعها إلا من أنصت إليه ولوشوشاته الحالمة التي تنقله لعوالم أضحت بعيدة عنا , وللبحر رائحة اختزنت في عقله أحداثا لا يستطيع نسيانها هناك في بيروت , فالبحر صديق قريب من نفسه ...
في اليوم التالي كان البحر جميلا وهادئا ..وكان يجلس على شاطئه بسكون مغمضا عينيه ..يستمع إلى تراتيله الغامضة ..تساؤلات ما بين البطل ونفسه لملاقاة الحبيب الذي طال انتظاره هناك الكثير مما سيقوله له والكثير مما سيسمعه منه ألا وهو البحر...
(هناك الكثير مما سيقوله للبحر والكثير سيسمعه منه وها هي الأوراق جاهزة لتسجيل أغنيات البحر) فما زال هناك أمل رغم رتابة الأيام فهناك أغنيات قادمة ..
الأبيات التي اختارها البطل ليقرأها تعبر عن رغبة البطل في الحياة في الأمل القادم :
فانطق..!
وابعث الأمواج تعلو ..
فوق أكوام الحجارة والزبد..
ما هي إلا دعوة من البطل لهذا البحر أن يعيد الحياة من جديد :
تعالي نلون هذا المطر ..
تعالي نلمم أحلامنا ..
معا نرسم قوس قزح..
ما أحوجنا للمسة عذبة ملؤها الحب تعيد تلوين المطر وتعيد لملمة الأحلام لرسم قوس قزح من جديد فالأمل باق وهذا ما ينشده البطل رغم أهوال الواقع..
جميل أن يرى الشاعر عن قرب أثرقصائده على وجه جميل ..!
صورة انطباعات أثر القصيدة على وجهها حينما شاركته قراءة القصيدة (كما تنعكس صورة صفصافة على سطح بحيرة هادئة )
الصورة عذبة موحية بعمق نقاء وشاعرية البطلة ..!
هنالك قواسم التقاء بينهما ..جميل أن يلتقي الإنسان بآخر يشاطره المشاعر والأحاسيس والرؤى فالفتاة تعرفه منذ زمن فقد التقيا من خلال كتاباته القصصية والشعرية فكانت شديدة التأثر والإعجاب بها لكنها قرأت معه القصيدة خلسة ولم تكن تعرف أنه الشاعرالذي طالما عبر عما في نفسها منذ زمن بعيد , هنالك شيء جميل يجمعهما ألا وهو الشعر الحس الحالم وهذا ما سبب دهشتها فقد ظنت أنه أكبر سنا لكنه الآن أقرب إلى روحها..
جمعهما الحس الحالم الذي يجعل للحياة معنى وروحا يفتقدها الكثيرون فكانت لحظة البداية ..بداية تلوين حبات المطر ..أمل جديد قادم يحمل دفء المشاعر وروعتها..
صوت فيروز ذلك الصوت الملائكي الذي يعطر الجو بعطر أزرق حالم كلون البحر..حلق بهما بعيدا ....
أحداث عادية حصلت أثناء الرحلة لكنها كانت بالنسية إليهما بداية لرحلة حياة آتية..
العقدة أخذت ذروتها حين وصول الحافلة بعد رحلة جميلة أسعدتهما لكن قد تتدخل أمور تغير رسم مسيرتنا لنحيا حياة مختلفة ..
ساعة الوصول ..! كان كل من استقل الحافلة قد نزل إلى هدفه لكن الفتاة جالسة بعد ..!
كثف الأديب الحدث لحظة تناوله العكازين بطريقة أضفت على المكان تساؤلات ماذا سيحصل ؟
إلا أن الأحداث تسارعت لتكون هذه الفتاة استثنائية كما وصفها في بداية القصة ..وسارت الأحداث متسارعة نحو المجهول ..هل ستكمل مشوارها معه ؟؟ أم تتركه يوشوش البحرما يريد ؟ يقف مع حلمه وحيدا ..البحر صديقه الوحيد ..
(هو الحزن صديقي الوفي ..!) .. وقفت تنتظر نزوله أمسك بالعكازين , كانت لحظة ذهول لم تستطع الفتاة إلا أن تدمع عيناها لما رأت شعرت كذلك بأنه استثنائي هو كذلك ..وقفت مشدوهة أمام الموقف مما جعله يظن بأن الحزن هو رفيقه الوحيد وأنها لن تعود إليه بعد معرفتها بوضعه الصحي ..
(عندما فتح عينيه وجدها أمامه ..تتأمله بصمت قالت وملامحها جادة تماما : لم أنم هذه الليلة ..! وتابعت أحب أن أعرفك أكثر ..وصمتت ..نظر إليها ..قالت فجأة :
منذ متى ؟ نظر إلى قدميه ..ثم إلى عينيها ..منذ سبع سنوات حادث ..كنت مقاتلا ؟
كنت أدافع عن حلمي ..وعن قصائدي !)
فقد جزءا من جسده هناك في بيروت في سبيل دفاعه عن أحلامه بالحرية والغد الأفضل القادم .. هنا شعرت بأنها لا تستطيع الانفصال عنه .. (مد يده نحوها ..أمسك بيدها كان البحر جميلا كما لم يكن من قبل .. ونوارس كثيرة .. وأشرعة ملونة كانت تسافر قادمة من كل الاتجاهات ..
همس .. هل تسمعين صوت البحر ؟ إنه يغني الآن ..لقد بدأ ينشد القصيدة..! )..
قصة جسدت الحلم الجميل والواقع المرير في سبيل دفاعنا عما نؤمن ..هما اشتثنائيان فقد توحدت روحهما وأفكارهما رغم تناقضات الحياة ليرسما سلسلة أحداث تحمل هموم الحياة وأفراحها ليرسما قوس قزح ويلونا المطر فيصبح العالم أجمل من ذي قبل فتشرق شمسها نحو غد مشرق أروع ..
كل الإعجاب لقصة واقعية تحمل دفء المشاعر استطاعت ربط الواقع بالحلم الجميل والعمل على تحقيق حلمنا ومبادئنا مناضلين ذوي إرادة تحاول رسم الحروف من جديد لواقع أفضل و إن كان الثمن غاليا جزءا من جسدنا أو روحنا أحيانا ... لتشرق شمسنا من جديد ..
القصة تمدنا ببريق شمعة تشعل طريق آمالنا لندافع عن حلمنا .. فنكمل مشوار حياتنا نرسم قوس قزح يفرحنا بنوره وضيائه نحو الحياة والأمل ...




العريض شاعر الغربة والإنسان والوطن .. والحب !

جولة في عالم إبراهيم العريض الشعري
العريض شاعر الغربة والإنسان والوطن .. والحب
!

دراسة نقدية بقلم : رحاب فارس الخطيب

شاعرنا هو صاحب الحس المرهف والذوق المميز لمع نجمه في سماء البحرين ليضيء سماء العرب ببصمة لا تمحي في عالم الشعر العربي ترجم رباعيات الخيام من لغتها الفارسية الأم في حين ترجمها آخرون من الانجليزية , أتقن أكثر من لغة فصدر له ديوان باللغة الاوردية وآخر بالانجليزية .
له عدة دواوين منها : أرض الشهداء , قبلتان , الذكرى , شموع , العرائس , يا أنت وفي هيكل الحب .
فهو بحق كما يعتبره البحرينيون الهوية الشعرية البحرينية لديهم ولدى العرب الآخرين طوال قرن أو أقل .
أخرج بعض المسرحيات ومجموعة من المقالات .
ناهيك عن المراكز الهامة التي تقلدها مثل رئاسة المجلس الوطني التأسيسي عام 1973م وأصبح سفيرا متجولا بديوان الخارجية عام 1975م لفترة من الزمن .
اذا نحن أمام صرح شامخ أغنته التجربة و النشأة الكثير الكثير لينصب بحق من رواد الشعر المعاصر , كما برع في الشعر العمودي فقدم صورا غاية في العذوبة تجرأ وجدد , كانت حياته حافلة غنية بالعطاء كل من يرد ماؤه يشعر بالارتواء ليعود فينهل من جديد من عذب صورة والفاظه وطرحه القومي المفتخر بالماضي المحفز للأمل لمستقبل مشرق مضيء , شاعرنا حقق المكانة المرموقة لنفسه ولوطنه البحرين , ليقف الوطن رافعا رأسه بشاعر مميز ألا وهو الشاعر العربي ابراهيم العريض .

استطاع شاعرنا أن يأخذ بيدنا ومشاعرنا واحساساتنا لنحلق في سماء صوره العذبة الغنية بالمشاهد الخلابة لنتحسس الشعور بدفئه وعمق احساسه و ألمه وفرحه ووحدته في آحايين أخرى , كل ذلك وغيره الكثير تلمسناه من خلال شعره العميق الاحساس المؤثر في قلب وعقل القارئ والسامع لنحيا تجربة تستحضر شعورا بألم أو فرح ما في ماضينا فتؤثر في حاضرنا وتأخذ بيدنا لمستقبلنا الذي نأمل و نحب .


الدراسة كاملة تجدونها في الرابط التالي
http://ibdaatt.blogspot.com/2009/03/blog-post.html

الامل

video

الام .. في رواية ام سعد للروائي الشهيد غسان كنفاني


بقلم : رحاب فارس الخطيب


الإهداء ..
إلى أم سعد , الشعب والمدرسة ...
بدءاً بالإهداء مروراً بالأحداث إلى نهاية القصة التي لم تنته بعد... عبرت أم سعد وما زالت تعبر عن الأم البسيطة التي تكد وتعمل وتجتهد في سبيل لقمة العيش لتمتد جبلا شامخا لتعبر عن أمة مثقلة بالهموم والتعب, لترسم نضال شعب تعب جاهد ويجاهد ليحقق المستحيل وحده في ساحة الحياة لا لأنه جبار لم ولن يتعب بل لأنه أراد صعود الجبال لا بد أن يتجاوز الحفر ..
صورة الأم التي امتدت لتكون كل الأمهات لترسم صورة وطن يعتز بأبنائه ...استطاع أديبنا الكبير غسان كنفاني أن يصور بداية عرضه لشخصيتها
(مثل شيء ينبثق من رحم الأرض ) وهذه إن عبرت فإنما عن شخصية قوية هي الأم... وهي دائماً ( تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما لا نهاية له) فالأم عطاء بلا حدود هي الماضي والحاضر والمستقبل.
أم سعد هي صوت الإرادة والتحمل والصوت الذي يصرخ في وجوه الضعفاء الذين يدعون القوة.
( أم سعد هي ترقي الطريق نحونا,تحمل الصرة الصغيرة التي تحتفظ بها دائماً وتسير عاليا كما لو أنها علم ما تحمله زنود لا ترى ) هي رمز القوة دائماً تسير عاليا تأبى أن تركع لأن الأم إن خضعت تاهت الأمة وضعفت فتكون في مهب الريح ...
وهي عند كاتبنا رمز الأمل والعطاء بلا حدود رغم الجراح فهي ترفع يدها المجروحة بإشراقه أمل عبرت عنه بعود الدالية اليابس نحو بطل قصتنا ليزرعه وهذا تعبير عن المستقبل والنظرة إلى المستقبل إنه آت ولا بد لنا أن نحياه ونحضر له بالعمل والجهد.
رغم المواقف العادية التي أظهرها أديبنا من خلال أحداث القصة إلا أن كل كلمة فيها وموقف يحلل وينقد واقعا لا يستطيع الكثيرون عن تحليله وفهمه.
(والزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضا, إنه يمتص ماءه عميقا في بطن الأرض, من رطوبة التراب) فالزيتون يعبر عن أبناء الوطن الذين يمتدون بعيدا في بطن الأرض يتجذرون عميقا يحيون ويصمدون ويتغذون حبه وصبره طويلا...هذه كلماتها والتي تعبر عن أم عظيمة يزخر الوطن بأمثالها فكلهم أم سعد...
(وبدت لي وهي تمشي عبر الممر شيئاً شامخاً عالياً,كما كانت تبدو دائماً) فالأم دائماً تخاف على أبنائها وهنا خوفها أمتد ليعبر عن خوفها على الوطن فهو أغلى من أبنائها وعليهم أن يضحوا ولا يقفوا عند حد في سبيل عودته حراً.
ويظهر تمسك أم سعد بالمبادئ فهي تنادي بالحرية التامة للإنسان وللوطن أثناء جدالها مع المختار عن مجموعة الشباب الذين رفضوا أن يكونوا اوادم بالمعنى المعاصر. تلك المرأة البسيطة المظهر العميقة الشخصية المتجذره بالأرض لتكون الصوت الصامد الحر فينا.
فهي بعبارتها البسيطة تعبر عن فلسفة عظيمة تلخص الهزيمة وقضبان الحبس الكبير الدنيا, لكنها مصرة على الخروج من الحبس (الحبس كله!) أم سعد عانت الكثير من البؤس والحرمان إلا أنها تأمل (ترتد إلى لساني غصة المرارة التي علكتها, حتى الدوار سنة بعد سنة) (وسقط صمت متحفز فيما بيننا ,وفجأة رأيتها جالسة هناك,عجوزا قوية ,اهترأ عمرها في الكدح الشقي) فتعب أم سعد تشهده السنون وتؤكده الحوادث...تعبت فهي إنسانة بسيطة إلا أنها تصمد لتتحمل ما لم يتحمله الآخرون.
فهي مصرة على العودة إلى الوطن البعيد تفتقده تحياه ذكرى تصمم على العودة إليه فتقدم ابنها في سبيل ذلك وترفض الخضوع,وتريد الانضمام إليه لتعود إلى الوطن.
وأم سعد جبل من الثبات داخله ألم وتعب وحسرة (واهتز الجبل أمامي ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق) )لقد جاءت مثلما تتفجر الأرض بالنبع مثل أول الأبد,مثلما يستل السيف من غمده الصامت) ,(عمري كله لم أر كيف يبكي الإنسان مثلما بكت أم سعد . تفجر البكاء من مسام جلدها كله. أخذت يداها اليابستان تنشجان بصوت مسموع , كان شعرها يقطر دموعا,شفتاها,عنقها,مزق ثوبها المنهك,جبهتها العالية ) آه أم سعد حينما يبكي الجبابرة تبكي الأنهار دموعا وتنشج الأرض ويهدر الرعد صراخا وأنينا,ورغم ذلك جبهتها عالية لا تنحني فهي لا تستطيع الانحناء وهي الأم المناضلة لا تعرف الخوف تقف فتكون مثالا للصبر والصمود لا لأنها أرادت بل لأن حلما بالكرامة يجثو على صدرها يبعده الكثيرون لأنهم يخافونه.
أم سعد هي الوطن والوطن أم سعد هي المرأة التي أبت أن تبكي لأن البكاء لا يكون إلا على الميت لكن الوطن لم يمت في قلبها بل تتنفسه شوقا وحبا وكرامة رغم قسوة وألم الجراح التي تجرعتها في سبيل أمل تحياه بالعودة إلى وطن ترفض أن يصبح ذكرى فهو الأمل الذي يربطنا بالحياة نحبه ونعشقه ينبض عزة وإباء لا يضام.
أم سعد المرأة الفلسطينية التي هجرت عن موطنها فهي رمز لكل أم فلسطينية عانت ألم الشتات وفقد الأحباب وتقديم الابناء واحدا تلو الآخر في سبيل الحب الأكبر والأغلى, فهي خير مثال لكل أم ما زالت صامدة رغم الجراح..كانت رمزاً وما زالت تمثل الأمومة والعطف تقدم ابناءها للوطن فهو الام الرؤوم لأبنائه.
وغسان كنفاني أديب المعاناة والألم استطاع أن يقدم رواية غاية في الإبداع من خلال عناصر القصة من مكان وزمان وشخوص وأحداث زاخرة إلا أن العقدة لم تكن لتصعد فتصل الذروة لأن القصة ما زالت مستمرة والعقد كثيرة في كل يوم ولحظة في الوطن والشتات.قلم مبدع تميز بصدق العرض وبعد الرؤيا والصورة العميقة التي تلخص أحداثا كثيرة بصورة معبرة عميقة المعنى قوية العبارة فكل لفظة وكل عبارة وكل صورة تحمل أبعادا ورؤى تستشرف المستقبل وتأتي ببارق أمل رغم عتمة الواقع...هذا أنت أديبنا الكبير غسان كنفاني الأديب الفلسطيني الذي غادرنا مستعجلاً ليترك يداً وضعها على الجرح وأملاً لا بد حاصل في يوم من الأيام وهو العودة للوطن.

الكاتبة الكويتية : فاطمة يوسف العلي والقاصة السورية :أنيسة عبود في



ملامحِ العلاقة بين النصف والنصف الآخر في الحياة
بقلم : رحاب فارس الخطيب


( سالت دمعة دافئة على الخد , لم تعرف أبدا هل كانت ترثي زمانها الماضي , أم حزن اللحظة الغارقة في مشاعر الانكسار والانتصار ) ....
وكأنها الحرب كاتبتنا فاطمة العلي ..منذ الأزل الشخوص هم أنفسهم آدم وحواء ..والمكان هي الدنيا والأحداث تتصاعد بينهما لتصل الذروة والتأجج لتحل ..
ولا بد أن تحل لتسير دفة الحياة ..ويمر الزمن ...ولن يتوقف بل عجلته تدور وتدور ,
يصعد البعض في قاطرته الأولى وهكذا تباعا .. كل حسب دوره في الحياة لينزل كل في محطته حسب دوره .. مفارقة عجيبة يحياها الرجل وبالأخص الشرقي . . قصة
( سقط سهوا ) للكاتبة فاطمة العلي عبرت فيها الأديبة عن أحداث واقعية تحصل كل يوم وتتكرر نحياها .. نعيشها هي صورة متكررة في المجتمع العربي..
ونكاد نتعب لسماعها .. الرجل الشرقي ونجاح المرأة .. قد يستوعبه البعض فيرتقيا
نحو المستقبل المشرق بهما ولهما وقد يكون نجاح أحدهما سببا في نهاية العلاقة التي تربطهما بعضهما ببعض .. وهذا ما وجدناه في قصتنا ..
لم النظرة هكذا نصف ملآى .. بطلا القصة درسا معا وتخرجا واتفقا على الخطبة وعادا ليحققا النجاح في الوطن ..بدأ مشوارهما ليكونا ثنائيان مميزان بعلمهما وشخصياتهما رغم معارضة أهله زواجهما وبدأ مشوار الحياة , سردت مشوارهما ليكونا مميزين بعلمهما وعلاقتهما رغم معارضة أهله زواجهما.. وبدآ مشوار الحياة , سردت
الأديبة فيها أحداثا جرت بينهما .. استخدمت في سبيل التعبير عن ذلك انفعالات المواقف المختلفة صورا تبرز عمق المعاناة بسبب أقرب الناس أحيانا.. (لم تعد تدري , فقد تداخلت الأسباب والمشكلات بدرحة تجعلها مثل التائهة في الغابة , لا يعرف لها بداية من نهاية ) .. فالحالة التي تحياها البطلة في نهاية المطاف إن اعتبرنا ذلك نهاية دليل على الحيرة وعدم القدرة على اتخاذ قرارصائب له أكثر من مدلول تضحيات الطبيبة البطلة في قصتنا وعدم إدراك ذلك من قبل رفيق العمر ورفيق المهنة أفقد حياتهما الكثير الكثير .. ( وهو حبيس غرفته .. أدرك مغزى الإشارة , إنها تلقي اليه بحبل النجاة ) دارت الأرض بها , الموجة عالية ,غمرتها بالبرودة أفقدتها الرؤية) ..
كل ذلك لأنها أحبت وتعلقت وهي مستعدة أن تتراجع الى الصفوف الخلفية ليعتلي المقدمة ويتربع عرش الرجولة فرحة بما تقدم لأنها أحبته .. قصة واقعية تلمسنا فيها عمق شعور المرأة الشرقية تجاه من تحب وهذا ليس غريبا عليها دائما تعطي بلا حدود
لكنها تنتظر الكثير الكثير ..فهي تنتظر لمسة حانية وقلبا محبا مخلصا يحبها فتتربع عرش قلبه ويحلقا معا ..

وأما القاصة أنيسة عبود في ( نقر على الذاكرة ) نجدها حددت عناصر القصة فالشخوص هم المجتمع والزوجان البطلان اللذان يعيشان قصة حب قلما تجدها في هذا الزمان.. الأحداث تتصاعد نحو ذروة الحدث لتتأجج ثورة على الواقع .. أما المكان ففي هذا العصر وقد تحصل في أي مكان في هذا الوطن الممتد ..
البطل رجل عصامي ذو مبادىء وأفكار تطلعية تقدمية تنادي بتحرر المرأة وإخراجها من طوق التخلف والقهر الذي أحيط بها رجل مميز بمواقفه المساندة للمرأة وعلى كل المنابر..
قدمت الأديبة قصتها الواقعية في قالب صور معبرة جسدت المعنى لتشعرنا عمق الألم الجاثم فوق صدر الفتاة البطلة .. (قميصها الأزرق لا يزال معلقا على الشماعة ,هو يحدق بالقميص يتنهد..لقد تعب من الانتظاروتعبت الشماعة من الوقوف )..
(يسمع قهقهة النافذة لا أحد هنا غيرك ).. (دعسات رتيبة تمضي بلا أصابع متشابكة بلا عصافير تطير عند الوداع وترتمي ذابلة ).. صور جسدت حالة الحب التي تجمعهما هو إنسان مثقف تقدمي ينادي بتحرر المرأة العربية ) ..إنسان مشهور واسمه لامع في سماء المناداة بحرية المرأة.. (هو يتكلم وهي تنظر إلى النافذة تراقب المدى ,تود لو تطير تتخيل أنها تطير لكن رصاصة طائشة أصابتها ..يتناثر دمها وريشها تنفرط دمعتها .. آخ ) لم التوجع وهي مرتبطة بإنسان تقدمي .. لكنه يحاصرها ينتقدها كثيرا حول كل شيء متناقض (حبيبتي ,سأخرج الآن عندي محاضرة في ندوة تخلف المرأة العربية؟؟ ..
(الباب المفتوح إلى باب مقفول والمدى الواسع إلى سقف يتدلى منه جنزير مخيف ..الباب مقفل ! يعني مقفل في غيابي لا ينفتح إلا بوجودي ) ..أين كل هذا التقدم والرقي !
صورة أخرى لرجل جسد انفصام الشخصية التي يعاني منها البعض ..
إرادة رفض القيد حررت البطلة من قيود العبودية وجعلتها ترفض الأصفاد لتنطلق نحو غد ترسمه هي بيديها .. (سمعت صوت القيود ترتطم ..صوت الأقفال ينغلق ثم يتصدع )
فالتصدع هنا دلالة على رفض القهر الجاثم فوق الصدر .
كثيرة هي الشعارات التي تتردد هنا وهناك تصطدم بالواقع .. ما مدى تطبيق تلك الشعارات ؟؟ فذلك يرتبط بإيماننا و بقدرتنا على تحقيق ما نؤمن فعلا..
قصتان واقعيتان لأديبتين مميزتين بأسلوبهما وصورهما المعبرة والمجسدة الحالة الإنسانية في حياتنا, فقد تناولتا قضية هامة لمن حمل على عاتقه العلم والتقدم والرقي بالمجتمع وعلاقته برفيقة دربه وكثيرة هي الأمثلة في حياتنا .
كاتبتنا العلي اختارت رمز المرأة التي تعطي بلا حدود لكن لم تحدد ما تريد وبقيت في مشاعر الانكسار والانتصار لكنه انتصار على من !! أما عبود فقد اختارت الثورة على قيود الواقع الذي قيدها باسم الحب ..قصتان جسدتا الواقع بقالبين مختلفين لتقدما فكرة تتكرر ونتمنى لو نستطيع خلعها من الجذور.. فنحن نرى الشعارات تزين الأوراق وتنادي بتحرر المرأة وفك قيودها.. ومن هنا نجد الأديبتين قد رسمتا صورة واقعية من صورالحياة نجدها هنا وهناك لكنها خطوط غيرمكتملة لأن الصورة تتضح أكثر وتتحد معالمها برجال آخرين مضحين ومتفانين ومحبين و مخلصين لرفيقات دربهم .. كما أن وراء كل عظيم امرأة عظيمة , وراء كل امرأة عظيمة رجل عظيم ... لترتسم اللوحة بكل الألوان وإلا لطغى اللون الأبيض وتلاشت الألوان ..فلا رقي إلا باتحاد القلب والعقل والجسد لنسمو نحو مستقبل مشرق يدا بيد ..

نظرة في الوجه الآخر للبحر: للأديب منذر أبو حلتم


قراءة في قصة "للبحر وجه آخر"

بقلم : رحاب الخطيب


للبحر وجه آخر...عنوان اختاره أديبنا لمجموعته القصصية التي نشرها بعنوان (للبحر وجه آخر) وهو ايضاً عنوان قصة توسطت المجموعة لتتألق قصة واقعية يتخللها بعض الرمز مؤدية معان وأحداث تصدرت الزمان فتركت آثارا لا تمحي ..
للبحر وجه .. فما هو هذا الوجه الذي قصده كاتبنا ؟
عناصر القصة بدت واضحة شاخصة بحضورها في يوم صيفي حار فالسماء مسمرة في وسط السماء تصب لهيبها على الرؤوس فالزمان تجلى في هذه الصورة الفنية المعبرة عن حرارة الشمس اللهيبة فتشعرنا بعدم التحمل ، كذلك المكان حيث قعد البطل في مقدمة الباص ينظر من النافذة متأملا حركة الناس والسيارات في الشارع المزدحم فالمكان موقف للباصات وشاطئ البحر، أما الشخوص بعضهم من الشخصيات الثانوية التي تمر هنا وهناك وركاب الباص الذين ورد ذكرهم لإضفاء حركة وحياة على أحداث القصة لكن الشخصيتين الرئيستين هما البطل والفتاة التي تجرأت ودخلت حياته.. أدخلنا إلى عالم القصة من خلال وصفه لمظهر البطل ( وضع العكازين المعدنيين بجانبه أسفل المقعد) وفيها أيضا إيماءة للوضع الصحي الذي يعاني منه البطل...
أما الأحداث فتجري في مكانين هما الحافلة وشاطئ البحر...
حياتنا نحياها نرسمها كما نريد لكن أحيانا نلقى أناسا نمر بهم قد يغيرون خطوط لوحتنا فتكون اللوحة بخطوط وألوان أخرى قد تكون أجمل أو لا...
( أخيرا سيجلس إلى شاطئ البحر على حافة المياه سيستمع إلى صوته ووشوشاته الحالمة للرمال.. إلى عبث الأمواج الخفيفة وهي تعابث الشاطئ كصبية مدللة...تقترب قليلا لتبتعد مرة أخرى ) كما عهدناك أديبنا فأنت تذلل الصورة لتعبر عن حلم للبطل جسد في مخيلته تمنى أن يحياه فما أجمل أن نصور الأمواج الخفيفة ومداعبتها للشاطئ كصبية مدللة ...صورة جميلة أشعرتنا برقة وشاعرية العلاقة بينهما ... والبحر كذلك يوشوش الرمال فيدغدغ مشاعرها لتصبح أرق وأجمل...
الأسلوب المتخذ من خلال أحداث القصة تخلله المونولوج الداخلي فهو من أجمل الأساليب التي تشد القاريء لتبعد عنه السأم فيتأثر بما يقرأ ويعيش الحدث وكأنه حاضر.
البحر لدى البطل يعني الكثير فهو الهدوء والجنون,والبحر يعبر عن فلسفة الحياة الممتدة عبر الزمان في بدايته ونهايته , إن كانت هناك نهاية .
لديه تراتيل غامضة لا يسمعها إلا من أنصت إليه ولوشوشاته الحالمة التي تنقله لعوالم أضحت بعيدة عنا , وللبحر رائحة اختزنت في عقله أحداثا لا يستطيع نسيانها هناك في بيروت , فالبحر صديق قريب من نفسه ...
في اليوم التالي كان البحر جميلا وهادئا ..وكان يجلس على شاطئه بسكون مغمضا عينيه ..يستمع إلى تراتيله الغامضة ..تساؤلات ما بين البطل ونفسه لملاقاة الحبيب الذي طال انتظاره هناك الكثير مما سيقوله له والكثير مما سيسمعه منه ألا وهو البحر...
(هناك الكثير مما سيقوله للبحر والكثير سيسمعه منه وها هي الأوراق جاهزة لتسجيل أغنيات البحر) فما زال هناك أمل رغم رتابة الأيام فهناك أغنيات قادمة ..
الأبيات التي اختارها البطل ليقرأها تعبر عن رغبة البطل في الحياة في الأمل القادم :
فانطق..!
وابعث الأمواج تعلو ..
فوق أكوام الحجارة والزبد..
ما هي إلا دعوة من البطل لهذا البحر أن يعيد الحياة من جديد :
تعالي نلون هذا المطر ..
تعالي نلمم أحلامنا ..
معا نرسم قوس قزح..
ما أحوجنا للمسة عذبة ملؤها الحب تعيد تلوين المطر وتعيد لملمة الأحلام لرسم قوس قزح من جديد فالأمل باق وهذا ما ينشده البطل رغم أهوال الواقع..
جميل أن يرى الشاعر عن قرب أثرقصائده على وجه جميل ..!
صورة انطباعات أثر القصيدة على وجهها حينما شاركته قراءة القصيدة (كما تنعكس صورة صفصافة على سطح بحيرة هادئة )
الصورة عذبة موحية بعمق نقاء وشاعرية البطلة ..!
هنالك قواسم التقاء بينهما ..جميل أن يلتقي الإنسان بآخر يشاطره المشاعر والأحاسيس والرؤى فالفتاة تعرفه منذ زمن فقد التقيا من خلال كتاباته القصصية والشعرية فكانت شديدة التأثر والإعجاب بها لكنها قرأت معه القصيدة خلسة ولم تكن تعرف أنه الشاعرالذي طالما عبر عما في نفسها منذ زمن بعيد , هنالك شيء جميل يجمعهما ألا وهو الشعر الحس الحالم وهذا ما سبب دهشتها فقد ظنت أنه أكبر سنا لكنه الآن أقرب إلى روحها..
جمعهما الحس الحالم الذي يجعل للحياة معنى وروحا يفتقدها الكثيرون فكانت لحظة البداية ..بداية تلوين حبات المطر ..أمل جديد قادم يحمل دفء المشاعر وروعتها..
صوت فيروز ذلك الصوت الملائكي الذي يعطر الجو بعطر أزرق حالم كلون البحر..حلق بهما بعيدا ....
أحداث عادية حصلت أثناء الرحلة لكنها كانت بالنسية إليهما بداية لرحلة حياة آتية..
العقدة أخذت ذروتها حين وصول الحافلة بعد رحلة جميلة أسعدتهما لكن قد تتدخل أمور تغير رسم مسيرتنا لنحيا حياة مختلفة ..
ساعة الوصول ..! كان كل من استقل الحافلة قد نزل إلى هدفه لكن الفتاة جالسة بعد ..!
كثف الأديب الحدث لحظة تناوله العكازين بطريقة أضفت على المكان تساؤلات ماذا سيحصل ؟
إلا أن الأحداث تسارعت لتكون هذه الفتاة استثنائية كما وصفها في بداية القصة ..وسارت الأحداث متسارعة نحو المجهول ..هل ستكمل مشوارها معه ؟؟ أم تتركه يوشوش البحرما يريد ؟ يقف مع حلمه وحيدا ..البحر صديقه الوحيد ..
(هو الحزن صديقي الوفي ..!) .. وقفت تنتظر نزوله أمسك بالعكازين , كانت لحظة ذهول لم تستطع الفتاة إلا أن تدمع عيناها لما رأت شعرت كذلك بأنه استثنائي هو كذلك ..وقفت مشدوهة أمام الموقف مما جعله يظن بأن الحزن هو رفيقه الوحيد وأنها لن تعود إليه بعد معرفتها بوضعه الصحي ..
(عندما فتح عينيه وجدها أمامه ..تتأمله بصمت قالت وملامحها جادة تماما : لم أنم هذه الليلة ..! وتابعت أحب أن أعرفك أكثر ..وصمتت ..نظر إليها ..قالت فجأة :
منذ متى ؟ نظر إلى قدميه ..ثم إلى عينيها ..منذ سبع سنوات حادث ..كنت مقاتلا ؟
كنت أدافع عن حلمي ..وعن قصائدي !)
فقد جزءا من جسده هناك في بيروت في سبيل دفاعه عن أحلامه بالحرية والغد الأفضل القادم .. هنا شعرت بأنها لا تستطيع الانفصال عنه .. (مد يده نحوها ..أمسك بيدها كان البحر جميلا كما لم يكن من قبل .. ونوارس كثيرة .. وأشرعة ملونة كانت تسافر قادمة من كل الاتجاهات ..
همس .. هل تسمعين صوت البحر ؟ إنه يغني الآن ..لقد بدأ ينشد القصيدة..! )..
قصة جسدت الحلم الجميل والواقع المرير في سبيل دفاعنا عما نؤمن ..هما اشتثنائيان فقد توحدت روحهما وأفكارهما رغم تناقضات الحياة ليرسما سلسلة أحداث تحمل هموم الحياة وأفراحها ليرسما قوس قزح ويلونا المطر فيصبح العالم أجمل من ذي قبل فتشرق شمسها نحو غد مشرق أروع ..
كل الإعجاب لقصة واقعية تحمل دفء المشاعر استطاعت ربط الواقع بالحلم الجميل والعمل على تحقيق حلمنا ومبادئنا مناضلين ذوي إرادة تحاول رسم الحروف من جديد لواقع أفضل و إن كان الثمن غاليا جزءا من جسدنا أو روحنا أحيانا ... لتشرق شمسنا من جديد ..
القصة تمدنا ببريق شمعة تشعل طريق آمالنا لندافع عن حلمنا .. فنكمل مشوار حياتنا نرسم قوس قزح يفرحنا بنوره وضيائه نحو الحياة والأمل ...




محاورة مع الشاعر الفلسطيني : محمود درويش في قصيدته (أنت منذ الآن غيرك)




بقلم الناقدة : رحاب الخطيب


حتى الآن لم أنعك شاعري ، أما الآن فسأعلن نعيي لك صديقي ... شاعرنا الكبير

محمود درويش ...

تنهيدة كبيرة علت صدري خنقتني أثقلتني بالآلام
عندما انتهيت من قراءة قصيدتك
" أنت منذ الآن غيرك " رسالتك الأخيرة التي وجهتها لأبناء الوطن الباسل الحر
الذي يأبى الضيم .. الجبل الشامخ في وجه العدو الذي رفض وناضل وقدم الشهداء
الواحد تلو الآخر الذي ما يزال أبناؤه يعتزون بأنا فلسطيني أو أنا في الشتات
بجنسيات وألوان فرضها الاستعمار علي لكني من أصل فلسطيني...
آه صديقي ...
كم آلمتني التنهيدة لأن الضربة في الرأس تؤلم ... كيف لا وهي من أقرب الناس ..
أخي ..رسالتك لأبناء الوطن الواحد للفلسطينين الذين شغلهم الكرسي ... لطالما
تميزوا عن غيرهم بكل شيء لكنهم الآن غيرهم...
رسالتك الأخيرة اليهم صفعة يجب أن يتلقوها ليستيقظوا جميعا من سباتهم الذي طال
تخليهم عن مبادئهم وهوياتهم ليقبعوا خلف اقبية التفاهة ...
صديقي .. رحمك الله ، فأنت لم تستطع التحمل أكثر .. تعبت من طول الطريق رأيت ما لم يره الآخرون.. أثقل صدرك خزي الإخوان ..
لم تستطع المكوث أكثر فآثرت الرحيل .. غادرتنا سريعا دون وداع .. فالبقاء سيزيدك ألما .. سامحنا ...

" أنت منذ الآن غيرك " الرمز والغلو فيه والسريالية وعدم الوضوح ليست من
سمات قصيدتنا ، فقصيدتنا الأخيرة للشاعر الكبير محمود درويش عكس ذلك فهي
الوضوح المطلق للمتلقي فلا مجال للرمز لأن المخاطب قليل فهم وهم ( الإخوان )
فالصورة الشعرية منفية من القصيدة فلا مجال لها لأن المتلقي ( الأخ ) يجب أن يفهم
بوضوح ما يريده الشاعر لأنه كطفل لا يستوعب ما يقال له باستخدام الرمز ...
فقد بدأ شاعرنا محمود درويش قصيدته :

هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ، ونرى دمنا على أيدينا .. لندرك اننا
لسنا ملائكة .. كما كنا نظن ؟؟


كنا قد آمنا فعلا بأننا مختلفون شعب جبار خلده التاريخ وهنا صورة سقوطنا من
برجنا العاجي لنرتطم ونرى دمنا على أيدينا أيقظتنا من غفوتنا ..

وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ كي لا تبقى حقيقتنا
عذراء ؟

تساؤلات أثقلت صدر شاعرنا وهذا ما لا يطيقه كل حر فلسطيني فلم تبق حقيقتنا عذراء .

كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء
أن تصدق نفسك أسوأ من أن تكذب على غيرك !!
أن نكون ودودين مع من يكرهونا ، وقساة مع من يحبونا تلك هي دونية المتعالي
، وغطرسة الوضيع !

فلسفة درويش في الواقع الأليم أعلنها صراحة دون تنميق أو زخرفة ، فالواقع أننا
انسلخنا من جذورنا وأصبحنا وحوش إلا على الأعداء ..

أيها الماضي ! لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك !
أيها المستقبل : لا تسألنا : من أنتم ؟ وماذا تريدون مني ؟ فنحن أيضا لا نعرف.
أيها الحاضر ! تحملنا قليلا ، فلسنا سوى عابري سبيل ثقلاء الظل!

علامات التعجب والاستفهام والتساؤلات هي قصيدتنا لنعبر عن حالة الضياع ،
فالكارثة كبيرة وفوق الاحتمال فقد حصل زلزال لشموخنا ، ماذا حصل ؟؟!!
فلم نعد نعرف من نحن دسنا ما حققه الأجداد من صمود واستشهاد الكثيرين من
أجله رميناه عرض الحائط .. رجاء للماضي لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك ! رجاء
أخير من شاعر طال انتظاره ليحقق حلم النصر ...
المواقف اختلفت والهوية لم تعد واضحة فالواقع مشوه والجبابرة غادرونا وبقي
من كان في الصفوف الأخيرة مختبئا ليستلم الدور عنهم ...

ولولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار لكل عصابة نبي ولكل صحابي ميليشيا !!
أعجبنا حزيران في ذاكرة الأربعين : إن لم نجد من يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا
بأيدينا لئلا ننسى !

الشعب تفرق وتمزق وما لم يستطعه العدو استطاعه الشعب ، لم يستطع العدو
نخر الصفوف والقضاء عليها رغم العذابات التي ألحقها بالشعب ، رغم القهر ،
رغم الموت الجاثم على صدور شعب مهجر ، ومجوع ومقهور إلا أنه صامد !!
رغم كل هذا تفتت وتمزق تلاحم الشعب الصامد لأجل ماذا!!

مهما نظرت في عيني .. فلن تجد نظرتي هناك خطفتها فضيحة ! قلبي ليس لي ولا لأحد . لقل استقل عني . دون أن يصبح حجرا .

نظرة الشموخ والعزة والكرامة " أنا فلسطيني " خطفتها فضيحة أشد على يدك شاعري فقد أشعرتنا بألم الواقع المرير الحاصل هناك في الوطن البعيد القريب من القلب فقد رحل الشجعان الباسلون وبقي !!!

هل يعرف من يهتف على جثة ضحيته – أخيه : الله أكبر أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو : أصغر من كائن بشري سوى التكوين ؟
أخفى السجين الطامح إلى وراثة السجن ، ابتسامة النصر عن الكاميرا لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه
ربما لأن النص المتعجل كان أقوى من الممثل .
ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة ، لأنهما من جذر لغوي واحد ، فما حاجتنا للدولة .. ما دامت هي والأيام الى مصير واحد ؟

حقيقة صرح بها شاعرنا وموقف من السقوط الحاصل الآن في الوطن الصامد .. تغير العدو فقد أصبح العدو أقرب الناس كل يتهافت على الدنيا وعلى الكرسي من يدمر الآخر أكثر .. سلمت أيدكما ايها الأخوان في الوطن المحتل فقد فعلتم المستحيل .
فقد اختلطت علينا المصطلحات والمفاهيم فغدت الغشاوة على أعيننا فلم نستطع التمييز ...

لافتة كبيرة على باب ناد ليلي : نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة . الدخول مجانا وخمرتنا لا تسكر !
آه أيها العائدون القو بسلاحكم وتمتعوا بالنادي فقد آن لكم أن ترتاحوا فلم تعد فلسطين بعد !!

أنا والغريب على ابن عمي ، وانا وابن عمي على أخي وأنا وشيخي هذا هو
الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة في أقبية الظلام


وكأني أعرف هذا المثل لكن الأجداد فهموه بشكل آخر يا درويش أنا وأخي على
ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب ! لكنك صدقت فهناك في الوطن المحتل
تعبوا من المثل القديم فقد أصبح قديما باليا لكن الواقع والمصلحة والتكتيك
يتطلبان ما قلته لنغير المثل حتى يتماشى مع الواقع ليصبح منطقيا ، ومتماشيا مع
أهداف العدو !! إذن يا درويش من العدو !! رب عدو لك ولدته أمك !!!

من يدخل الجنة أولا ؟ من مات برصاص العدو ، أم من مات برصاص الأخ ؟
بعض الفقهاء يقول : رب عدو لك ولدته أمك !
لا يغيظني الأصوليون ، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة .
ولكن يغيظني أنصارهم العلمانيون ، وأنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلا
بدين وحيد : صورهم في التلفزيون !

يا درويش كم أنت صارم في هذه القصيدة أعلنتها للملأ فلا مجال للمواربة ..
هم لم يغيظوك وحدك فكلهم سواء أصدقاء وأنصار
يا درويش هم لا حول لهم ولا قوة !!
هل يدافع حارس جائع عن دار سافر صاحبها لقضاء إجازته
الصيفية في الرفييرا الفرنسية أو الايطالية .. لا فرق ؟
قلت : لا يدافع !


لماذا يدافع الحارس طالما صاحب البيت يستجم فقد تعب من المشوار وجهز
لنفسه ما يعينه من فتات الدنيا على الاستجمام والفرح والراحة .. فقد قام بدوره
وآن له أن يرتاح .. فلترقد يا درويش بسلام فالوطن بأيد أمينة .

وسألني : هل أنا + أنا = اثنين ؟
قلت : أنت وأنت أقل من واحد !

كما أنت دائما يا درويش لابد من التغيير في أسلوبك ونهج قصيدتك كما هو الحال
فقد أقحمت عالم الرياضيات والمنطق في قصيدتك لكن المنطق هنا لم يعد منطقيا
فقد تغيرت القواعد المنطقية بتغير كل شيء !!

أخجل من هويتي ،فهي ما زالت قيد التأليف .
ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون .

بصيص أمل بشعور فخر ولو بسيط أعطيتنا إياه في نهاية قصيدتك لمن بقي في
ثنايا روحه ذرة كرامة بعدم الخجل من الهوية .. فالوطن الآن يخجل من أبنائه !!
علينا تأليف ورسم طريق أفضل لنرفع رأس الوطن بنا لنزيل وصمة عار علتنا
وآن للوطن أن يسجل غيرها ولم الخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون
ربما نحقق من جديد ما كتب
" أنت منذ الآن غيرك " !
الوضوح التام والذي لا مجال للرمز فيه هي قصيدتنا فقد جسد شاعرنا الكبير
_رحمه الله_الألم والوجع الفلسطيني بتناحر الإخوة على ماذا ولماذا؟؟!
أسئلة كثيرة نعرفها ولا نعرفها ولا نريد أن نعرفها ...
فقد استوقفنا وأشعرنا بالآلم والقهر الحاصل من تناحر الإخوة وعدم الاتفاق
الفلسطيني كل ذلك بأسلوب غاية في الغرابة استطاع شاعرنا ايصاله لقلوبنا
وعقولنا وترك رسالة لأبناء الشعب الواحد الذي حقق ما لم يحققه العدو .. ليقف
العدو مشدوها من شعب لم يستطع إخضاعه بل أخضع نفسه بنفسه ليفرح بنصر
لم يقدر على تحقيقه طوال عشرات السنين ...
" أنت منذ الآن غيرك " قصيدة تمرد فيها على كل شيء على شكل القصيدة
واسلوبها وقافيتها فالواقع متمرد اختفت ملامحه وهكذا القصيدة أراد أن تكون
صفعة قد تعيد الوعي لشعب طالما ناضل وشارف على الانتصار ..
نعتذر منك يا درويش فأنت منذ الآن غيرك .
وأخيرا يا درويش لو كنت ما زلت بيننا لحددت موقفك أكثر.. ولعرفت
ماذا حصل بعدك وكيف آلت اليه الأمور.. وكيف تصنف الناس (الأخوان) أخ باع اخاه من أجل حفنة دولارات.. وباع وطن الأجداد.. ينهش من يقاوم الأعداء بل ويقف مع عدوه يسانده ويدعمه ..
لن تفرح يا درويش لما حصل بين قابيل وهابيل الفلسطينيين ..المقاوم الصامد والعبد الراكع في حضن سيده ..وداعا درويش ..

رمضان مبارك


وقفة تأمل في قصيدة : كم من نبي ها هنا ورسولا للشاعر: منذر أبو حلتم







بقلم : رحاب الخطيب



ألق السلام على القباب وآلها .. واسجد بمسرانا الأسير طويلا
وامسح غبار الهجر عن جنباته ..... واسرج بعتمة ليله قنديلا
واقرئ سلامي للمآذن قد شكت ..... هجر الحمام فليس ثم هديلا



الكلمة مسؤولة عندما تعبر عن صدق مشاعر إنسان فقد وطنا يتمنى لو يلقاه لحظة عناق يبثه طول اشتياق.حتى السلام لا يستطيع إلقاءه على القباب وآلها فلا يستطيع الوصول إليه ليحييه فقد حرم منه... واسجد بمسرانا الأسير قمة الحزن تجسدت في كونه أسير فالأسر للإنسان وكيف يكون إذا كان الأسير قبلة الإسلام الأولى ...اسجد أعظم لحظة يحياها الإنسان بين يدي الله الذي اختاره ليكون من أطهر بقاع العالم مباركا له مكانة مميزة عند الله تعالى...أما غبار الهجر فتعبر عن سنوات أسره التي طالت والعتمة أسدلت ستارها على المكان ليطلب أن يضاء السراج ليعبر عن أمل قادم .الصور اختلفت والظلام جاثم فأصبح الأقصى وحيدا هذا كله نجده في قصيدة كم من نبي ها هنا ورسولا لنقف مشدوهين من هول ما حصل لأقصانا فلم يحرك فينا ساكنا.

يا أيها الماضون نحو ظلاله .... هذا فؤادي فاجعلوه دليلا
وترفقوا بالسير فوق ترابه .... كم من نبي ها هنا ورسولا


عندما يصبح الفؤاد دليلا لا يعبر إلا عن صدق انتماء وتأجج مشاعر مشتاقة للوطن البعيد مكانا القريب شعورا...(وترفقوا بالسير فوق ترابه) فتراب الوطن المحتل ليس كأي تراب فقد ضم في ثناياه الأنبياء والرسل ومكان إسراء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو الطهارة...

ناجيت أقصانا الجريح أجابني .... صوت المآذن خالط الترتيلا
ولمحت طيف الفاتحين معاتبا .... والأفق رايات تقود صهيلا

والنجوى هنا جاءت لتدل على الهمس فلا مجال للصوت العالي الذي يدل على الفرح فأين الفرح والأقصى جريح يئن إلا أن المآذن خالطت الترتيل، فقد توحدت في فلسطين الديانتين الإسلامية والمسيحية لتقف أمام من أراد طمس هويتها وإذلالها.وهنا نتذكر أيام الفاتحين الذين ضحوا من أجل تحرير بيت المقدس، مسرى النبي وجسره نحو العلا.

مسرى النبي وهل يعاند جاهل؟ ..درب السماء وحبلها الموصولا
مسرى النبي وجسره نحو العلا .... معراجه نحو السماء سبيلا
يا ثالث الحرمين هذا خافقي ... . يهوي إليك معانقا مذهولا
في أكثر من موضع يؤكد شاعرنا (مسرى النبي) فهل من مجيب إن لم نقف إجلالا لهذا المكان المقدس الذي اصطفاه الله تعالى ليكون مسرى النبي شئنا أم أبينا، إن كان لدينا تقديس له فقد قدسه الله تعالى وجعله من أفضل البقاع وباركه وبارك حوله.

يا ثالث الحرمين هذا خافقي .... يهوي إليك معانقا مذهولا
القبلة الأولى أجل مكانة .... . أنعم بها وأنعم بذاك جميلا

الله تعالى قدسه بأن جعله ثالث الحرمين المسجد الحرام ومسجد الرسول عليه السلام مكانة وقدرا وهو القبلة الأولى ليذكرنا دائما خمس مرات في اليوم حين توجهنا للصلاة بأن قبلتنا الأولى تئن مصابرة.

المسجد الأقصى يئن مصابرا .... . هيهات يسقط أو يموت ذليلا
والمنبر المحروق يصغي حائرا والصمت أضحى في المدى مقتولا

والمسجد الأقصى يئن وهي أقصى درجات الألم إلا أنه مصابر لأنه الإباء فلا مكان لذل في جنباته رغم القهر والألم الجاثم فوق صدره إلا أنه هيهات يسقط أو يموت ذليلا.

سيظل صوت الصامدين مزلزلا ..... وكر الطغاة بعزمه ليزولا
سيظل رغم الأسر طودا شامخا ..... سيظل نورا واحة وظليلا
لن يهزم التاريخ غربان أتوا .... لا لن يسيطر باطل ليصولا

التأكيد على حقيقة لا بد حاصلة درب من الشموخ والأنفة لن تهزها الأيام ولا مواقف الآخرين والفجر لا بد آت ليبدد عتمة وظلمة خيمت على الأقصى ... فالكلام المعسول البراق الذي لم نأخذ منه سوى الأحلام لن يحقق ويغير الواقع بل نور الحق الناصع الذي سيشرق رغم ألم القهر والأسر فلن يظل حسامنا مشلولا... وتأكيد عودة أقصانا يؤكده شاعرنا استنادا لما جاء بكتابنا والذي لن يأتي إلا بعزمنا وإرادتنا لنغير مجد كرامة العرب من جديد.

والفجر يهزم عتم ليل حالك ...... يمضي كئيبا باردا وثقيلا
لن يرجع الأقصى الأسير صحائف ..تزهو بسحر كلامنا المعسولا
سيظل نور الحق حرا ناصعا ........ لا لن يظل حسامنا مشلولا
سيعود هذا قد أتى بكتابنا ...... وبعزمنا سنحقق التأويلا

والصورة جاءت في القصيدة مبدعة لتعبر عن عمق المعنى وقوة العبارة لتترك أثرا قويا لا يمحي فنتحسس عمق الأسى الذي نحياه على الرغم من ذلك كله نشعر ونعتز بشموخ وإباء وصمود الأقصى رغم محاولات إذلاله إلا أنه يأبى الذل...التشخيص المائل في صور القصيدة على سبيل الاستعارة المكنية أضفت لمسة الحياة على الأقصى فهو ليس مكانا للعبادة والتقديس فقط بل كل شيء فيه يحس ويشعر ويتصف بصفات الإنسان الكريم الواقف رغم أعاصير الزمن .أما صورة الأنين الذي عبر عنه شاعرنا فقد جاء الأنين مع الصبر وهذا قمة الصمود رغم شدة الألم.والغربان صورة قوية لمشاعر الكره والحقد على المعتدي والذي لن يظل طويلا...أما الفجر والأمل رغم عتم الليل تأكيد على الغد المشرق الذي سيأتي لا محالة وهذا أسلوب مميز يميز كتابات وأشعار أديبنا فرغم الضعف والهوان والإستسلام نراه دائما يؤكد على حقيقة الأمل التي تنتشلنا من براثن الحزن والقهر الذي نحياه ليأخذ بيدنا نحو الضياء والحرية فالكتاب (القرآن الكريم) حقيقة تحرر أقصانا إن لم يكن اليوم فسيكون إن شاء الله.قصيدة قوية بألفاظها المنتقاة بعناية المشاعر والحقيقة الأزلية ، وصور عذبة معبرة عن الحالة التي يحياها الأقصى أنينا وصمودا والأمل الذي نحتاجه ليروي عطشنا للحرية ويأسنا من الواقع المعاش كل ذلك وغيره كثير عبرت عنه قصيدتنا المميزة...كل التقدير لشاعرنا وللقصيدة التي وضعت أناملها على الوجع لتحيي في ضمائرنا خمولا نعانيه لأولى القبلتين وثالث الحرمين...وللغالي الذي نفديه بالمهج والذي نتمنى أن نلقاه ونصلي فيه رغم أعاصير الزمن...طودنا الشامخ العظيم المسجد الأقصى ...أجمل السلام .

قراءة تحليلية لقصيدة ( نخلة ) للشاعرالسعودي: إبراهيم الوافي " وريث الرمل"



للناقدة : رحاب فارس الخطيب

القصيدة :

كيفَ لم أنتبهْ ..
أنَّ مفرد جمع النخيلِ
بقاعدةِ النحْوِ نخلةْ لها ثمرٌ
مثلُ قطعةِ سكَّر
كنتُ كلَّ صباحٍ
أصبُّ المياهَ بحلقِ الفسائلِ
أبحثُ عن أنثويتها حينَ تكبُر ..!
وقفتُ على حدِّ إبهام رجلي
أصبُّ المياهَ بحلقِ الفسائلِ والنخلُ يكبُر ..!
تقوَّسَ إبهام رجلي
وماعدتُ أقوى السقاية ( بالحقنِ )
والنخلُ يكبر
كيفَ لم أنتبهْ أنَّهُ حينَ نقرأ في لغة الأرض
من حولنا سوفَ نلقى النخيلَ الوحيدَ المذكَّرْ …!!!
كيفَ لم أنتبه ..؟!
أنَّه ..حين أخلو بذاكرتي طاعنَ السنِّ قلبي
وفي شفتي تمتمات الوَلَهْ ..
أتهادى رويدًا ..رويدًا إلى المكتبة .
( طاعنَ السنِّ قلبي وفي شفتي تمتمات الوَلَهْ..
إذًا ليس غير القصيدة : عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَر ..
إيقاعُها رجفةُ الريحِ بين السَّعَف سوطُ الشتاء على ظهر فلاحِ يسقي النخيلُ ولا يرتجف ! )
أرتدُّ ثانيةً هرولة ..!!
كيفَ لم أنتبه أنَّ للعمرِ آخرةً
غير تلك التي لوَّنتْ أولَهْ ؟!!
كيفَ لم أنتبه..
أنَّهُ حينَ تبني العصافيرُ أعشاشها
حولَ عذْقِ النخيلِ ستطعمُ أفراخها من حبوب الفضاءْ
وتقرئها لغةَ الكبرياء
حينَ كنتُ صغيرًا تسلَّقتُ نخلةَ جدي العتيقة
عدتُ بعصفورِ عشٍّ صغيرٍ
ومن فوقِ رأسي العصافيرُ تنقرُ بالريحِ
تمطرني غيمةً من نداءْ
كيف لم أنتبهْ أنَّ للنخلِ حرمته
للعصافير أغنيةً من بكاءْ ؟!
كيف لم أنتبهْ ؟
انَّ للريح ساقينِ
للنخْلِ ذاكرةً متعبةْ
حينَ كنتُ صغيرًا
سألتُ أبي كيفَ ينمو النخيلِ ارتفاعًا
ويشرعُ للريحِ أبوابُهُ
بينما الأرض من تحته معشبة
كيفَ لم أنتبهْ !؟
حينَ قاسَ المسافةَ بين النخيلِ وبيني
وبين الظلالِ وبيني
وأطبق بالصمتِ يضربُ مسْحاهُ في الأرض
حتى تشظَّتْ ظلالُ النخيلِ وقرَّ بعينيهِ وهمُ الشَّبهْ !

القصيدة في عين ناقدة :

لكل منا شخصيته التي تتأثر بالأشياء وتؤثر فيها .. لها دلالاتها .. رموزها .. عشقها لما حولها ، لما ترمز اليه تلك الموجودات . السماء قد تعني لي رمزاً عظيماً اقف مشدوهة امامها .. وقد تعني لك شيئاً آخر .. ومن هنا تتكامل الحياة …
النخلة تلك الشامخة التي تمتد حتى السماء وقف عندها شعراء كثيرون جسدوا من خلالها الانتماء للوطن وللحبيبة والأم ..
فقد اخذت مساحة كبيرة من عشقهم اللا متناهي ،، لا ادري لماذا تستحوذ النخلة على كل تلك المشاعر لدى الانسان العربي ، لا بل النخلة هي رمز للعروبة .. لا ادري لماذا انتابتني كل تلك المشاعر وبأنني عدت الى امي حينما رأيت اول نخلة في حياتي .. شعرت برغبة عارمة في البكاء وحنين لا يوصف ..!! احاسيس جياشة نشعر بها عندما نرى نخلة عظيمة فتنتابنا المشاعر الفياضة فنبدع وننظم اشعاراً غاية في الرقة والجمال .. وهذا ما جسده لنا شاعرنا الذي تميز برهافة حسه وقوة حضوره الا وهو شاعر النخيل ابراهيم الوافي ( وريث الرمل (
بدأ شاعرنا قصيدته والتي هي بعنوان "نخلة " بعبارة تكررت في جميع ( دفقات ) القصيدة " كيف لم انتبه ؟ " .. وكأنه يضعنا امام حقيقة تغافلناها او قد انستنا اياها السنون بما جاءت به من احداث فأتعبتنا وعتمت القدرة لدينا على تذكرها …
هنالك حقيقة نحوية تقول بأن مفرد جمع النخيل هي نخلة .. ! فهنالك كثير من الأشياء حولنا بديهية الا اننا لا ننظر اليها وننسى حقيقتها احيانا
فالنخلة لها ثمر مثل قطعة سكر .. حقيقة اصبحت وكأنها شيئاً عادياً الا ان الشاعر لم ينتبه اليها في سابق عهده ، فالحياة احياناً تكون حلوة لا نشعر بحلاوتها او اننا كنا سعداء ولم نعرف ذلك الا بعد فوات الأوان .. فنستيقظ ونقول :- قد كنا سعداء !..
ذكر شاعرنا بأنه :
كنت كل صباح اصب المياه
بحلق الفسائل
ابحث عن انثويتها حين تكبر ..!
وقفت على حد ابهام رجلي
اصب المياه بحلق الفسائل
والنخل يكبر !..
تقوس ابهام رجلي …
وما عدت اقوى السقاية " بالحقن " والنخل يكبر
في هذه الدفقة الشعرية يؤكد الشاعر على عشقه للحياة والاستمرار فيها من خلال صبه الماء على الفسائل الا انه تعب مع مرور الأيام فكان تقوس ابهامه والذي يرمز الى ضعفه وتعبه لكن النخل يكبر .. بحث عن انوثة الفسائل الا انه وقف على حقيقة ان لغة الأرض ترى بأن النخيل الوحيد مذكر ..! وفي ذلك لمسة حزينة تنم عن وحدة مفروضة لم يستطع الشاعر اخفاءها فلا تتكامل الحياة الا بالمؤنث …
اما في الدفقة الشعرية الثانية والتي عبر فيها الشاعر عن حزن قلبه بوصفه طاعن .. الا انه يتمتم بالحب لا بل بالوله .. فهو مصر على البقاء والحياة ، فلا يستطيع الحب من فارق الحياة .. رغم وهنه وانه يتهادى رويداً رويداً الى المكتبة ...اذن فهو مستمر في الحياة والإفادة والاستفادة .. وهنا يستحضر ما قاله السياب في انشودته :
عيناك غابتا نخيل .. ساعة السحر
فكان للقصيدة وقع الريح .. وهنا الريح ترتجف بين السعف ، وللشتاء سوط على ظهر فلاح ..! ما اروع التعبير لدى شاعرنا عن الألم وصوت الألم الذي ابرزه من خلال استخدامه للحركة والصوت في دفقته مما اعطى القصيدة حركة وعنفواناً لتترك اثراً بأن للحزن وقع لا يمّحي .. فسوط الشتاء رغم قساوته له وجه مشرق آخر فهو يسقي النخيل دون ارتجاف .. وهنا يشعر الشاعر بتناقض مع ذاته وان للعمر آخرة غير الأولى ..!
ففي الاولى كانت حياته ملونة .. والألوان هنا رمز الحياة والاشراق .. اما بقية العمر فلها لون آخر .. نقف هنا عند تناقضات كما رأيناها عند السياب .. الحياة والموت .. الحب والحزن .. وهذا يبدو جلياً من خلال تأكيد الشاعر ان للعمر آخرة غير تلك التي لونت اوله ..
اما في اللوحةالتي رمز اليها بالحرف ( ل ) من احرف النخلة .. فينتبه الى حقيقة لم يلحظها سابقاً .. وهي ان العصافير تبني اعشاشها في اعالي النخيل .. وتطعم فراخها من حبوب الفضاء وتعلمها الكبرياء ..وهذه صورة جميلة عذبة .. وأنه عندما حاول صغيراً تسلق نخلة لم يشعر آنذاك بحرمة النخيل وما للعصافير من لحن شجي .. لا لم ينتبه بل انه صور الريح انسانا له ساقين ..وما اظن ذلك الا الانسان الذي تمر به السنون فلا يعود يقوى على الذاكرة والتي اسقطها على النخيل هنا …
.ومن خلال اللوحة الأخيرة اكد شاعرنا على الشبه بينه وبين النخلة والتي اكد له والده عندما كان صغيرا .. ( عندما قاس المسافة بينه وبين النخيل وبين الظلال وبينه ..) ذلك الشبه .!
.فهو النخيل الذي يشرع للريح ابوابه وينمو ارتفاعاً ويصمد في وجه الريح ويشرب من مياه الشتاء محاولاً التجلد والارتفاع وهو العصفور الذي يعلم الآخرين الكبرياء .. وهو الريح الذي لا يرتجف وهو الشتاء .. بما يحمله من حزن يحمل الحياة في طياته ويسقي النخيل ..!
قصيدة التناقضات هي ( نخلتنا ) .. الحياة التي تولد من الموت والحب الذي يقتحم الحزن فتستمر الحياة ..
مشاعر كثيرة تنتابنا ، نحزن تارة .. ونستشعر الأمل تارة اخرى .. تخنقنا الذكريات احياناً الا اننا نصمد كالنخلة في وجه الريح لنرتفع ونسمو نحو مستقبل اجمل
نشكر شاعرنا المبدع الذي اتحفنا برائعة من روائعه

_________________
آراء قي قصيدة ودراسة النخلة :


الأديب ياسر العتيبي :

الأديبة / رحاب الخطيب
قراءة مدهشة ولغة مؤثرة ..
ولم أنتبه لروعة الأبيات وجمالها ورونقها إلا من نافذة كلماتك ..
لله دركما ودرّ امتزاج عوالي الشعر بصبا الأدب ..
أعجبني التفسير المنطقي للأبيات..
وأعجبتني النظرة المتعمقة في النص والحياة ..
ولعل شاعرنا الوريث بهذا النص يعارض إليا أبو ماضي في الطلاسم ..
حينما يثبت الحقيقة بإدراكه الحاضر بقوله ( كيفَ لم أنتبهْ )..
وأبو ماضي ينفي الحقيقة بعدم إدراكه الماضي بقوله ( لست أدري ) ..
أجمل تحياتي

الشاعر إبراهيم الوافي (وريث الرمل) :

"انتقال المعنى من بطن الشاعر إلى ذهن القارئ "
هذا ما كنت أستشعره وأنا أنثال على سطور قراءتك التحليلية الواعية جدا ..
كنت ومازلت أرى أن النقد أو القراءة التحليلية إنما هي عمل إبداعي موازٍ تماما للمنتَج الإبداعي ذاته ، هنا منافذ عدة في هذا النص الذي قد يبدو مغلقا على البعض ، إلا ذلك القارئ المغامر ، الذي وصفه جدنا المتنبي
بقوله :
إذا غامرت في شرف مرومِ
فلا تقنع بما دون النجوم

ولقد بلغتِ ورب الكعبة نجوم القصيدة أيتها القديرة رحاب .. لقد قال عني الناقد جهاد أبو هديب في قراءته لإحدى قصائدي في مهرجان الشعر العربي الصيف الفائت ..
إنه شاعر يحمل في ذاكرته النخلة الرمز ..
شكرا من القلب رحاب لهذا الجهد الكبير ولهذا العمق الإبداعي ، وليتك أيتها القديرة تمدينا بمثل هذه الدراسات الناضجة متى ماسمح لك وقتك ، فأفق الشبكة يكاد يكون خاليا من مثل هذه القراءات الواعية حد الدهشة .

قراءة لقصة ( مع الغروب .. حكاية من الوطن ) للاديبة لمى خاطر


بقلم : رحاب الخطيب


- لا اعرف لماذا حين يقترب الجرح من الالتئام لا يلبث ان ينفتح من جديد ، لا ادري لماذا حين تقترب اجمل اللحظات من ذروتها تنقلب الى النقيض ..-

اديبة من الوطن المحتل .. استطاعت ان تتعامل مع الاضداد بقدرة وابداع كبيرين .. الا وهي الاديبة لمى خاطر .. فقد قدمت قصة جسدت فيها مرارة الواقع ومفارقاته بسبك ومهارة فائقتين .

قدمت لنا لمى عبر عناصر القصة عملاً ادبياً يعبر عن رسالة سامية .. رسالة شعب يئن ويتجرع المأساة ، شعب محروم من الحلم بحياة هانئة خالية من طعم المرارة والغصة الساكنة في الحلق . اجادت الكاتبة من خلال عرضها لعنصري الزمان والمكان .. فأظهرت بطء الوقت والساعات .. وعبرت عن موقف خاص للزمن حيث رسمته لنا في نهاية القصة على غير ما ألفناه في القصص التقليدية .. فالزمن جاء هنا ( وقت الاصيل ) وهذا اضفى على القصة بعداً شاعرياً مميزاً ..

والاحداث في القصة لا بداية واضحة لها ولا نهاية فسيان البداية والنهاية .. لأنهما متكرران في كل لحظة وكل يوم في دوامة لا تنتهي ..!!

اما المكان فهو المقعد الخشبي تحت شجرة السرو .. وذكر كذلك السجن الذي قتل ويقتل احلام الملايين من ابناء الوطن.
اما الشخوص بالرغم من محدودية عددهم واقتصارهم على شخصيتين منفردتين ( هي وهو ) فقط ..الا انهما جسدا الشعب بأكمله بأحلامه وآماله وتطلعاته وآلامه .. فلا حاجة للشخصيات الثانوية هنا ، فالشعب بكامله إما هو او هي !
والعقدة لا حاجة لوجودها في هذه القصة ، فالاحداث تتصاعد في القصة التقليدية لكنها هنا متكررة في كل يوم فالشعب يناضل ويسجن .. والاحداث تتصارع في كل لحظة فهي متكررة كثيرة الحصول .. لهذا جاءت متداخلة هنا .. مشكلة النسيج الداخلي للقصة دون حاجة لعقدة واحدة مميزه ..فالاحداث اخذت بالصعود تارة والهبوط تارة اخرى من خلال عنصر تشويق بين استطاعت الاديبة حبكه بعناية فيشعر القارئ انه في حاجة ماسة ليعرف ماذا سيجري استنتاجاً منه لما قد حصل لبطل القصة .. كل ذلك في قالب من الصراع الداخلي ( المونولوج ) المستخدم بعناية ..

ومن ابداعات الكاتبة كذلك انها استطاعت استخدام الصور المعبرة والمؤثرة في النفس لتوصل الهدف والغاية من هذه القصة .. فقد عبرت عن تلاشي الاحلام وعدم الأمل في تحققها بالذوبان فقالت : ( لم اتخيل ابداً ان كل احلامنا ستذوب هكذا … )
اما الشعور بالعجز فقد جسدته بمهارة في قولها : ( لا ادري أي قوة كبلتني فلم استطع ان اجيبها .. )

كذلك الدموع فقد ( غطت مساحات الوطن في عينيها .. ) وهذه صورة جميلة ، فالوطن متربع في القلوب ولا ترى غيره العيون .. وفي النهاية فقد رمزت للحزن والالم بالغيوم السوداء ..

صور عديدة عبرت من خلالها الكاتبة وجسدت الالم فظهر جلياً محسوساً بآهاته ومتاعبه التي لا تنتهي ..
الا ان التشبث بالأمل لم يغب عن بال اديبتنا فأعطت بصيص امل بالرغم من ضبابية الحالة المعاشة عندما تحدثت عن ( رفض الشمس ان تحتجب خلف الغيوم السوداء حين يبزغ الصباح ) .. وفعلا نحن في امس الحاجة الى امل يعيد الثقة بالنفس .. وبأن الغيوم السوداء لا تستطيع حجب الشمس الى ما لا نهاية .. فالستة فصول اربعة ..

ومن ابرز ما استطاعت الاديبة ايضاحه والتعبير عنه هو شخصية الفتاة كما جسدتها شخصية البطلة في هذه القصة .. فالبطلة هنا فتاة عادية تحلم بالاستقرار والطمأنينة في ظل رجل حقيقي يحمل الهم ولا يعيش لذاته وحسب .. فهي انتظرته وستنتظره وصار الصبر زادها والدعاء في جوف الليل سلاح الامل ..وهي صورة جميلة تعبر عن حلم الانسان البسيط الذي يواجه احداثا وظروفا غير طبيعية ..صورة للفتاة العربية التي تجد نفسها في صف النضال مختلفة عن رفيقاتها في بلدان اخرى واماكن اخرى ..فلم تعد تحلم بالفارس القادم على حصانه الابيض .. بل غيرتها الظروف واصبحت تشارك الرجل احلامه ونضاله وآماله وآلامه ..وهو نموذج جميل ومتكرر هناك في الوطن المحتل حيث نرى المرأة والرجل .. يمضيان معا نحو تحقيق الحلم والامل . وحتى مشاعر الحب والاعجاب المتبادل مختلفة .. فالحب له طعم النضال .. والنوى والشوق بسبب السجن والاعتقال والابعاد .. فالهم الخاص مرتبط تماماً بالهم الوطني العام ..

لقد عشنا قصة تحمل الهم العام في طياتها .. استطاعت الكاتبة من خلالها ان توصل رسالة واضحة عن شعب يحب لا كغيره من البشر .. يرتبط بالوطن فيقدم الوطن على نفسه .. شعب يتميز بصموده وصبره وكذلك بحبه وآلامه ..

وظيفة الناقد الرئيسة .. وأنواع النقد


بقلم : رحاب فارس الخطيب
الادب العربي قديما شعرا .. ومن ثم شعرا ونثرا ..عُني به النقاد وجالوا في قضايا مازالت حتى اليوم قضايا شائكة مثل قضية اللفظ والمعنى .. وما الى ذلك مما يهم الشاعر او الكاتب الذي يملك حساً وموهبة شعرية كانت ام نثرية . ومنذ ان عبر الانسان عن مشاعره واحاسيسه ظهر هنالك نوعان من النقاد .. الناقد البناء الذي يملك حساً ايجابياً نحو الابداعات لتطويرها .. وابراز الحسن منها ..ومحو الضعف فيها باسلوب رقيق مرهف ..ليبتعد الاخر عن الركاكة في اسلوب ما .. والاستفادة من تجربة الناقد .. وكل ذلك ليرقى الادب والاديب نحو ادب متألق .. يعبر عن احساسات والام الاديب سواء كانت ذاتية او عامة .. تتصل ببني الانسان . اما النوع الاخر من النقاد .. فهم الهدامون الذين يسعون دائماً لدحض الاساليب الجديدة ورفض الحداثة وما يستجد على الانسان وبالتالي الاديب والشاعر من متغيرات قد تترك اثرها في الفاظه او استخداماته للصور الفنية .. او على طابع القصة او القصيدة … ارجو ان لا يفهم من كلامي انني ادعو الى التحرر من كل اشكال التعبير الكلاسيكية في شكل ومضمون القصة او القصيدة .. فما اعنيه هو ان الحياة تتغير على الدوام .. والذي اظهر الموشحات والمخمسات الشعرية قادر على اظهار شعر التفعيلة على سبيل المثال ، ان توفرت فيها الموسيقى والصور الجمالية ..كما هو الحال في شعر التفعيلة والذي قوبل بالرفض في بداية ظهوره .. وما الى ذلك .. اما عن دور الناقد .. فللاسف لا نجد نقاداً متفرغين تماماً لعملية النقد ومواكبة كل جديد لعدم التفرغ .. فليس كل انسان بقادر على ان يكون شاعراً او كاتباً لان ذلك ملكة وموهبة انعمها الله عليه وعليه صقلها بالقراءات والتعرف على الاداب القديمةوالحديثة والغربية ان امكن .. كذلك الناقد ، فلا يستطيع أي انسان ان يكون ناقداً .. لان ذلك ليس بالسهل ، فالناقد يقرأ ما بين السطور ويكون حلقة الوصل بين مثلث العملية الابداعية الاديب والقارئ .. والنص الادبي ..! فهو يفهم نفسية الكاتب وماذا يقصد .. ويحلل نفسية الاديب من خلال النص .. فان استطاع ذلك فانه يستطيع ان يحل رموز القصيدة او القصة ويسلط عليها اضاءات جديدة فيكشف جوانبا قد لا تتضح للكثيرين . فالابداعات موجودة والاقلام الواعدة مثمرة وتبشر بالخير الا ان التفرغ لعملية النقد امر صعب بالاضافة ان الناقد كالشاعر او الكاتب لا يستطيع ان يكون كالآلة فيدرس في اليوم على سبيل المثال عملين او اكثر ..فذلك يعتمد على احساس الناقد بالعمل الادبي وتقبله ..ولهذا فاننا ترى الاعمال النقدية شحيحة في اغلب الاحيان والمواقع ..

الشعر العربي .. بين الماضي والحاضر

بقلم : رحاب فارس الخطيب

مرّ الشعر العربي بمراحل عدة ابتداء من الشعر الجاهلي الذي اتسم بالحوشية والغرابة وجزالة الألفاظ وقسوتها .. ثم عصر صدر الإسلام والذي اختلف توجهه حتى يناسب الدين الجديد والمصطلحات الدينية الجديدة ثم الأموي وما استجد على ساحته من ابتكار لموضوعات عدة ظهر منها على سبيل
المثال : الغزل العذري وما يتسم به من رقة وعذوبة .. ثم العباسي وظهور التغزل بالغلمان وما الى ذلك من الغزل الإباحي . في وقت ظهر فيه الشعر الأندلسي في المغرب العربي في نفس الفترة العباسية .. وظهر فن الموشح في الأندلس .. فالشعر العربي مر بعدة مراحل .. شكلاً ومضموناً مع ظهور اساليب جديدة غير سابقاتها والتي لم تعد فعالة فيما بعد بسبب تغير شكل الحياة والذوق العام سواء في لغة الشعر او موسيقى الشعر او الصور الفنية ، فأبدع من هؤلاء الكثيرون خصوصاً في القرن الرابع فالتوشيح عندما ظهر لم ينكره الأقدمون .. وكذلك ( الدوبيت ) . اما بالنسبة للقافية فقد تحلل منها العديد من الشعراء آنذاك ولم يعتمدوا النظام المتبع .. فنظموا في المزدوج واكثروا منه اكثاراً يدعو للدهشة والاستغراب .. كذلك نظموا في المخمس وابدعوا فيه .. كقول ابن المعز الأمير الفاطمي :

دم العشاق مطلول ……… ودَيْنُ الحب ممطول وسيف اللحظ مسلول …… ومُبدا الحب معزول ……………… وان لم يصغ للإثم


وهكذا فقد لاقى المزدوج والمخمس رواجاً وذيوعاً وإقبالاً من الشعراء . وفي القرن الخامس لقي فن ( تصريع ) جميع قوافي القصيدة والأرجوزة مثل هذا الاقبال . وقد ظهر هذا اللون من القوافي في جزء كبير من كتاب ( اليتيمة ) وعند العديد من شعراء ذلك العصر . الشاعر الكبير المتنبي والذي لا ينكر متحدث باللغة العربية مكانته .. خرج عن بعض تفعيلات الوزن المعروف .. ففي قوله :

تفكّرُه علمٌ ومنطقه حُكْمٌ ……… وباطنه دينٌ وظاهره ظرف

خرج عن الوزن لأنه لم يجئ عن العرب ( مفاعيلن ) في عروض الطويل غير مصرع وانما جاء ( مفاعلن ) وغيرها امثلة وردت عن المتنبي وهو المعروف المتربع على عرش الشعر في زمنه .. نهاية .. فإن الشعراء القدماء لم يكونوا جامدين في معانيهم ولا متحجرين في صورهم الفنية وموسيقاهم ولغتهم .. كما وصفهم بعض الدارسين المحدثين .. واستوعبوا كل جديد بما يناسب طبيعة عصرهم ومتطلباته ..وبما يناسب مواهبهم الفنية الفردية وقدموا لمن بعدهم شعرهم المبدع .. فما بالنا نقف ونرفض ونزدري من ينظم بالتفعيلة والتي هي نتاج عصور من التطور .. جاءت متناغمة ومعبرة عن العصر الذي ظهرت فيه .. وابدع الشعراء الذي كتبوا بها واجادوا فنجد السياب ونزار ومحمود درويش والقاسم والشابي وفدوى طوقان وغيرهم .. باقة رائعة مميزة من شعراء عصر استطاعوا ان يعبروا عنه .. افضل تعبير ..

قراءة في قصة ( وجوه وطبائع )من أدب المهجر : للقاص المغترب علي أبو سالم


بقلم : رحاب فارس الخطيب

نلتقي في هذه القراءة لتسليط الضوء على قصة مختلفة الوقع .. حيث ينهج كاتبها نهجاً يختلف عن القصص المألوفة لتأخذ منحى التحليل النفسي من خلال التعرف على كنه البشر وماهياتهم من الداخل في محاولة لتعرية النفوس رغم زخرف المظهر الخارجي .. حاول من خلالها كاتبنا علي أبو سالم الأديب المهجري ذو الحس المرهف والانتماء القوي أن يعبر بأسلوب القصة الشيق عن طبائع ووجوه البشر ..
فقد بدأ قصته من خلال التعبير عن وحدته وشعوره بالضيق الذي انتابه فخرج يبحث عن ترفيه للنفس وتخلصاً من عناء التكرار اليومي والروتيني للحياة .. فلاحظ انعكاس طبائع النفس البشرية وتصرفاتها وما يعتريها من تفاصيل دقيقه تحدد الملامح العامة للشخصيات كما هي بادية للعيان ..
فمن خلال مجريات القصة قدم الكاتب المتأمل أبو سالم فلسفته في النفس الانسانية فهو يراها ( كالبئر العميقة التي ليس لها قرار نهائي تتحكم فيها عوامل ومؤثرات كثيرة يصعب علينا الوقوف عند تخومها ) .. وأن الإنسان لا يكون إنساناً فاعلاً في نظر كاتبنا إلا إذا اشتركت عناصر من مثل عنصر الملاحظة وتفاعل الذاكرة وعنصر النسيان ، إذ لا يمكن تحديد هدفه وطريقة حياته كانسان مفكر إلا بها .. وأن انعدامها يؤدي إلى أن يصبح الإنسان إنسانا عاديا يعيش حياته بهدوء .. حياة بسيطة كما جاء في القصة .
قدم لنا أديبنا المهجري بعض المشاهد والتي تعبر عن شخصيات أصحابها فعرض مشهداً لبضعة أطفال من ذوي الطبع الحاد المتمرد يجلسون في المقعد الخلفي للعربة الأخيرة من القطار والذي استقله لهذا الهدف .. وقد وصفهم بأنهم لا يكترثون لشيء إلا لفت الانتباه وعدم الشعور بالمسئولية . وهنا طرح الكاتب قضية الحرية التي منحت لهؤلاء الاطفال من خلال القوانين والنظم التربوية الحديثة والتي استخدمت استخداماً خاطئاً فعمدوا إلى التدخين وتصرفات أخرى غير مسؤولة ..
كذلك عرض الكاتب مشهد العجوز ( ذي السبعين عاماً ) ينفث الدخان من غليونه دون إحساس بمشاعر الآخرين فيزرع الموت ولا يبالي …
وقد حمّل كاتبنا المسئولية إلى الكبار .. فهم السبب في إعطاء المثل السيء للاطفال والشباب فينهجون نهجاً خاطئاً .. ثم انتقل الكاتب صاحب القدرة على الوصف الدقيق ليعرض مشهد الطفل الذي يحمل بالوناً أحمراً فرحاً به .. إلا أن بالونه انطلق منه بعيداً بسبب نسمة عابرة هبت وأخذته منه .. فمضى الطفل خلفه لا يدري ماقد يحصل له .. فلحقت به الأم راكضة غير شاعرة بنفسها محاولة إنقاذ طفلها غير آبهة لما قد يحصل لها من خطر السيارات إلا أن أمومتها أخذتها لتنقذ وليدها ..
أما المشهد الأخير فقد كان من نصيب فتاة ذات شعر أشعث غير مسرح تقف وفي يدها سيجارة وتنفث دخان السم الأبيض .. رأى الكاتب بأنها تحاول الهروب من حظها السيء .. ومن الحزن الذي بداخلها وقد علم غواصنا ذلك من خلال شرود نظراتها وطريقة تدخينها ..
وفي نهاية القصة عاد بطل القصة حيث بدأ .. إلى حياته الرتيبة والتي فضلها في نهاية القصة على رتابتها لأن فيها زاويته المفضلة وحديقته وروده الجميلة وأوراقه المتناثرة هنا وهناك .. إلى زوجته وأطفاله مع إصراره على إبقائها كما هي عليه ..
بالنسبة لعناصر القصة ، فكما نعلم فان عناصر القصة من زمان ومكان وشخوص وأحداث وعقدة وحل .. لا يشترط وجودها كاملة ( كما هو الحال في الرواية ) .. إلا أن تحقق معظمها ضروري .. وقد برز عنصر المكان جلياً وهو إحدى ضواحي ( ملبورن ) في أستراليا .. حيث يعيش الكاتب .
أما الزمان فقد يتكرر الحدث في أي زمان لأنها مشاهد من الحياة اليومية الرتيبة ..
أما الأحداث والعقدة فكانت من خلال عرض المشاهد المتعددة فلم تبرز بتسلسل متتابع كما هو مألوف لأن الغرض هو الغوص في هوية النفس الإنسانية وهو غرض تأملي فلسفي بحت ..!
والأسلوب المتبع هو أسلوب الوصف الدقيق الذي يهتم بالحركات الجسدية التعبيرية والتي تعكس ما يعتلج النفس من الداخل .
وإذا تطرقنا إلى الصور فالصور رائعة عند كاتبنا وذات دلالات مؤثرة ومعبرة وهو أمر رائع عند من هاجر وابتعد عن استخدام اللغة العربية .. حيث أورد عدة صور فنية منها :
( أحاول التقاط الوجوه العابرة ) .. فهو يصف نفسه وكأنه كاميرا تلتقط الصور ..
كذلك قوله عندما شبه نفسه بمرآة تنعكس عليها الصور .. وهنا تنعكس عليها طبائع النفس البشرية وتصرفاتها .. فقال :
( وما يقع في دائرة ملاحظتي من تصرفات الناس من حولي .. كانعكاس لطبائع النفس البشرية وتصرفاتها من خلال أدق التفاصيل )
كذلك وصفه لنفسه بأنه غواص يقوم بسبر أعماق النفس الإنسانية لمعرفتها من الداخل .. فقال :
( ومن خلال حشريتي ورغبتي الجامحة في الغوص عميقا في تصرفات الناس … )
كذلك تشبيهه أفكاره بشيء يلتهب .. والحيرة بشيء يتملكه ..( تلتهب أفكاري وتتملكني الحيرة )
هذا وقد أبدع بوصف النفس الإنسانية بالبئر العميقة ( النفس الإنسانية .. كالبئر العميقة ).
أما الحياة فهي متنوعة عنده وهي كالكهف وفي ذلك دلالة على الخوف من المجهول
( والتنقل في كهوف الحياة المتنوعة )
ومحركات السيارات والحافلات لها صورة الأسد تزمجر عند كاتبنا وفيها دلالة على صخب الحياة وصراعها وعدم القدرة على الهدوء وطيب العيش فقال :
( محركات الحافلات تهدر والسيارات تتسابق وكوابح العجلات تزمجر وتزعق مزمجرة .. ) وقد ورد غيرها من الصور المعبرة إلا أنني أوردت بعضا منها فقط ..
أسلوب كاتبنا أبو سالم ..أسلوب شيق يسبر فيه النفس الإنسانية بأسلوب يسر ممتع .. حيث عرض طبائع نماذج من البشر وأعماقهم من خلال حركاتهم ووجوههم علما بأن هذا النوع من الفن القصصي قل أن نجده .. فهو يتطلب قدرة فلسفية ومعرفة بخبايا النفس وهو أمر لا يستطيعه الكثيرون ..
فقط أريد أن أهمس في أذن أديبنا المبدع صاحب القلم المعبر .. حبذا لو استخدم المونولوج الداخلي في الفقرة التالية : ( من هنا مواضيعي كما ستلاحظون …. إلى قوله : التي يقومون بها وطريقة عيشهم اليومي ) حيث جاءت هنا مباشرة ..
أخيراً نشكر الكاتب الأديب علي أبو سالم ( الجذور ) على قصته التأمليه المميزة والتي عبرت عن إنسان لا يحيا إلا بالآخرين .. يشعر بالوحدة أحياناً .. فيتعمق في فهم النفوس .. إنسان منتم ذو عاطفة جياشة وفكر مستنير .. وضع مبدءاً ويسير عليه .. يثق بخطواته ويعنز بنفسه .. إلا أن ما يقلق راحته هي الوحدة رغم خضم الحياة … ! )

قراءة نقدية لقصة سقف المغارة للقاص الفلسطيني منذر أبو حلتم




بقلم : رحاب فارس الخطيب

لقراءة القصة يرجى استخدام الرابط التالي :
http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=101

"تنظر إلى السقف بتحدٍ عنيف ..صورة واحدة يجب أن تسيطر على عقلك المشتعل .. أختك هدى ! المشرط الملتهب يقترب من مكان الرصاصة .. يخيم الصمت .. أختك هدى .. لقد قتلوها .. لقد تألمت أكثر منك .. يرتفع صوت الحديد المحمى وهو ينطفئ في اللحم ..آخ " أقف بإعجاب شديد أمام كاتب وأديب وشاعر ..لقد تابعت إبداعات أديبنا وشاعرنا فلم أجدني إلا عاجزة عن إيجاد تعبيرات تفيه حقه ..إلا أن كتاباته تدخل القلب والعقل دون استئذان .. وقصة ( سقف المغارة ) من القصص القصيرة المتميزة ضمن مجموعته القصصية ( للبحر وجه آخر ) .. والتي سعدت بالاطلاع عليها عند نشرها .. قرأت القصة مراراً عديدة وفي كل مرة أشعر برغبة عارمة لمعاودة قراءتها ..
فالقصة رغم أنها قصة قصيرة .. إلا أنها جاءت مفصلة متكاملة وكأنها رواية .. مختزلة .. وهذا شيء أجده في قصص مؤلفنا .. حتى القصيرة جدا منها ..فالمكان واضح تماما لديه وهو الوطن المحتل من خلال ذكره لمدينة ( الخليل ) .. أما الزمان ففي أحد أيام النضال ضد العدو .. فلا يهم أي يوم لأن أيام الاستعمار واحدة ولا مجال للتخصيص .. ولا فرق . وبالنسبة للأحداث فقد بدأها الكاتب عندما أحاط به أصدقاؤه وهو ممدد على الأرض وقد اخترقت قدمه رصاصة وبأسلوب شيق تداعت فيه الأحداث من خلال شخص البطل نفسه وتذكر ما جرى معه والتحدي الذي استشعره من خلال رفاقه ومسيرتهم في النضال .. ومن خلال تذكره لأخته هدى .. التي من الواضح أنها تترك أثراً جلياً في نفسه .. فقد استشهدت وتألمت كثيراً .. تذكر كل ذلك فكان عوناً له في تحديه لتحمل الألم ..
أما شخصيات القصة .. فأهمها شخصية البطل ولم يحددها كاتبنا باسم معين فكل الشباب هم البطل ولا فرق .. وهنا تكمن الروعة .. كذلك الرفاق هم المناضلون هنا وهناك لا فرق إن كان أحمد أو محمد أو أياً من الأسماء .. فالأسماء هنا لا ضرورة لها فالشخصيات تتكرر هنا وهناك في الوطن المحتل . أما شخصي خالد الطالب الطبيب الذي يملك جرأة قد لا يملكها أطباء كثيرون قد تخرجوا من الجامعة إلا أن احتلال البلاد يفرض على طالب الطب أن يكون جراحاً قبل أوانه وعلى الطفل أن يكون رجلا مسؤولا عن أوطان ..!
أما العقدة فتجلت في تأخر خالد ) طالب الطب ) بسبب الحصار ..وقد انتهت بمجيئه واستخراج الرصاصة من قدم بطلنا الشخصية الرئيسة في القصة .. هذه العناصر . أما الصور الفنية فقد ابدع الكاتب أبو حلتم في رسمها ومدلولاتها العميقة الأثر في النفس لا تمحى بل تبقى مؤثرة مؤلمة تذكرنا بحاضرنا المرير من الذل والخضوع الذي نحياه . وقد استطاع من خلال وصفه الدقيق جدا أن يشعرنا بما كان للبطل من إحساسات ومشاعر .. مشاعر حب للوطن ، ومشاعر إنسان عادي يتألم لكنه يحاول إظهار القوة .. يستجمعها من الذكريات ومن مواقف الرفاق . الصور عند كاتبنا معبرة جدا تعبر عن نضال شعب أعزل إلا من الحجارة في مواجهة دبابات وسيارات عسكرية مصفحة ومدججة بالسلاح .. فسيارة العدو ( الجيب العسكرية ) تزمجر أثناء مطاردتها للشبان .. كذلك عند التعبير عن نفسه كما جاء من خلال مونولوجه الداخلي بأنها ( تتشبث بالواقع ) وكأن الواقع شيء مادي يتشبث به .. وفي ذلك دلالة على حب الحياة .. فنحن نعرف بأن الشهيد هو اكثر الناس حباً للحياة .. فيقدم في سبيل ذلك روحه ليصنع حياة أفضل إن لم تكن له فللآخرين وليخلد هو كذلك في جنان الله سبحانه وتعالى . هذا وقد كرر الكاتب ( ضوء السراج الشاحب ) أكثر من مرة ..وفي ذلك دلالة على الحالة النفسية القلقة والألم الشديد الذي عاشه بطلنا أثناء إصابته .. وفي النهاية تحمل البطل الألم بصبر وشجاعة لا يستطيعهما الكثيرون .. فقد عشت دقة وصف الحدث لحظة بلحظة وشعرت بألم مشرط الحديد المحمى وهو ينطفئ في اللحم وقلت مع البطل : آخ ..! وكأن الرصاصة استخرجت من قدمي أنا .. وهنا يكمن إبداع أديبنا أبو حلتم والذي استطاع وبحق أن يدخلنا في جسد البطل .. نشعر ونتحسس الأحداث وكأننا هو ..وهذا شيء ليس بالسهل ولا يأتي إلا من مبدع حقاً . أما ذكره للمغارة أكثر من مرة وتسميته القصة بسقف المغارة .. فالمغارة عند الثائر هي البيت الآمن لأنها تحميه من الأعداء الذين يخافون الوصول إليها لأنها معقل الأبطال وجزء من من الوطن يحتضنهم .. أما الأعداء فيخافون تلك الأماكن ولا يجرؤون على الذهاب إليها فلا تحتضن الأم إلا أبناءها .. فنلاحظ هنا أن الكاتب ركز على سقف المغارة وذلك لأن بطل القصة مصاب وملقى على الأرض فكان السقف بالنسبة إليه مكان عرض ، تعرض فيه الأحداث الماضية .. فقد جاء في القصة ( وعلى سقف المغارة تدور الصور في دوامة غريبة ) وجاء كذلك ( دوامة الصور تدور على سقف المغارة ، رصاص , رصاص كثيف .. ) وقال ( تنظر إلى السقف بتحدٍ عنيف .. صورة واحدة يجب أن تسيطر على عقلك المشتعل .. أختك هدى( ..
فالمغارة هي مسرح تخيلات البطل من قلق ألم و أمل وذكريات .. إلا أننا نجد الحالة التي عاشها البطل قبل استخراج الرصاصة قد تغيرت حال استخراجها حينما انتشرت رائحة الميرمية ( والميرميه نبته بريه عبقة الرائحه تنتشر على مساحات فوق أرض فلسطين .. تستخدم كعشبة طبية وتضاف شتاءً مع الشاي لتعطي طعماً لذيذاً ) .. لتعطي الأمل .. ومع ذلك الأمل فالتساؤل بمن منكم سيستشهد غداً ومن سيبقى ؟! يترك اثراً قوياً في النفس .. فالنضال مستمر والتحدي باقٍ إلى أن يتحرر الوطن ..
نهاية :
لقد عشنا عذابات شعب ونضال مستمر فلم ينه الكاتب القصة بالنهايات المألوفة لأنها عبارة عن مشهد من مشاهد الحياة النضالية في الوطن المحتل تتكرر يوميا في كل لحظة إلا أنه أعطانا الأمل رغم التساؤل المقدم في نهاية القصة .. لكن البطل ينظر إلى أصدقائه ويشعر بأنه قوي جدا .. ويبتسم بالرغم من أن الواقع مرير إلا أنه ابتسم لغد مشرق مضيء بأبنائه .. بمن يقدمون روحهم في سبيل الحق .
في نهاية مطافنا .. كل الشكر للاديب الاستاذ منذر أبو حلتم على هذه الرائعة وأتمنى أن نقرأ ونقرأ له إبداعات قادمة إن شاء الله .

قراءة في قصيدة أنشودة المطر للشاعرالعراقي : بدر شاكر السياب


بقلم رحاب فارس الخطيب

اولا : القصيدة :

عيناك غابتا نخيل ٍ ساعة السحر،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهر
يرجّه المجداف وهناً ساعة السَّحر
كأنما تنبض في غوريهما، النُّجوم …
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء،
دفٍء الشتاء فيه وارتعاشات الخريف،
والموت، والميلاد، والظلام، والضياء'
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر !
كان أقواس السحاب تشرب الغيوم
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر …
وكركر الأطفال في عرائش الكروم،
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر …
مطر …
مطر …
مطر …
تثاءب المساء، والغيوم ما تزال
تسحُّ ما تسحُّ من دموعها الثقال.
كأنّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:
بأن أمه - التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له : " بعد غدٍ تعود …" -
لا بدّ أن تعود
وإن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر،
كان صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
ويلعن المياه
وينثر الغناء حيث يأفل القمر .
مطر …
مطر …
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع،
بلا انتهاء - كالدّم المراق، كالجياع،
كالحبّ، - كالأطفال، كالموتى - هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تسمح البروق
وسواحل العراق بالنجوم والمحار،
كأنها تهمّ بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثار
أصيح بالخليج : "يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!"
فيرجع الصدى
كأنّه النشيج :
"يا خليج يا واهب المحار والردى …"
أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال،
حتى إذا ما فض عنها ختمها الجبال
لم تترك الرياح من ثمود
في الوادي من اثر.
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاديف وبالقلوع،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
"مطر …
مطر …
مطر …
وفي العراق جوع
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
ورحىً تدور في الحقول … حولها بشر
مطر…
مطر…
مطر…
وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموع
ثم اعتللنا - خوف أن نلام - بالمطر …
مطر…
مطر…
مطر…
ومنذ أن كنا صغار ، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر،
وكلّ عام - حين يعشب الثرى - نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع.
مطر…
مطر…
مطر…
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهور.
وكلّ دمعة ٍ من الجياع والعراة
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي، واهب الحياة !
مطر…
مطر…
مطر…
سيعيش العراق بالمطر …"
أصبح بالخليج : "يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!"
فيرجع الصدى
كأنّه النشيج :
"يا خليج
يا واهب المحار والردى."
وينثر الخليج من هباته الكثار ،
على الرمال ، : رغوه الأجاج، والمحار
وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ضل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرّحيق
من زهرة يربها الفرات بالندى.
واسمع الصدى
يرن في الخليج
"مطر …
مطر….
مطر…
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنَّة الزهور.
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتى، واهب الحياة ."
ويهطل المطر


أنشودة المطر: هي إحدى قصائد السياب التي تؤرخ مرحله من مراحل تصدع الفكر العربي وانكساره وهي حياه الشاعر نفسه وحياة الإنسان العربي بتناقضاته وأزماته المريرة … وقد استخدم السياب ا لرمز والرمز تطور في الضمير (عيناك ) بما فيه من حركه واضطراب توحيان بالحياة إلى الأم الحقيقية التي ماتت عندما كان الشاعر صغيرا … انه التطور الطبيعي من الحياة إلى الموت فالخط الأول للقصيدة هو التجدد.. الولادة.. الخصب وهو الضياء والميلاد.
فهذه التحولات النفسية واستخدامه للرموز أثارت في نفسه حزنا مأساويا يؤكد تلازم الإنسان بالكفاح من اجل حياة افضل.
ان اكثر ما يميز قصيدتنا هو الصور الفنية والاستعالاات والدلالات والتي استطاع الشاعر توظيفها لتعبر عما يجول في خاطره من تناقضات يحياها الانسان العربي والانسان العراقي على وجه الخصوص .. في فترة مهمة من تاريخنا الحديث ..

فقد شبه الشاعر عيني المحبوبة بغابتي نخيل في ساعة متأخرة من الليل وهذا دلاله على جمال عيني المحبوبة حيث السواد الشديد الذي يخالطه البياض وشبه عيني المحبوبة حينما تبتسم بالكروم المورقة ، وهي صورة غريبة عبرت عن تلاحم العلاقة بين المرأة والوطن ..

كذلك ابتسامة عينيها تجعل النجوم والأضواء تتحرك في عمقها .. و من الواضح أن عيني المحبوبة غير قادرتين على الإبصار لا لضعف فيهما بل لأن الظلام يلفهما ..فهما رمز جلي للأم والوطن والمحبوبة.

كذلك الضباب يرمز إلى الحزن . فيقول الشاعر أن عيني المحبوبة تغرقان في عالم من الحزن الشفيف فشبه عيني المحبوبة بالبحر الواسع الذي أرسل المساء يديه فوقه فشبه المساء بإنسان له يدين يرسلهما فوق البحر ففي هذا البحر تتجمع الأشياء المتناقضة
دفئ الشتاء التي يقابلها ارتعاشه الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء فالأضاد لها وقع عميق في النفس ..
فتنعكس هذه الأشياء على نفسية الشاعر فيحس برعشة البكاء بسبب الحزن كما سرت في جسده نشوة تعانق السماء هذه النشوة تشبه بنشوة الطفل الذي يخاف من القمر
كذلك صورة السحاب فهي كالإنسان تشرب وهنا تشرب الغيوم ثم لا تلبث أن تذوب تحت عرائش الكروم فيعزف المطر أنشودته فتتحرك العصافير وتستبشر بنزول المطر وتأخذ بترديد مطر .. مطر . ونلاحظ تركيز الشاعر الكبير على صورة الأطفال لتمثل البراءة والنقاء .. الاطفال الذين يفرحون ويعبرون عن فرحهم بالابتسامة او بتعبيرات غريبة في بعض الاحيان .

كذلك تصوير المساء بإنسان يتثاءب كما صور الغيوم التي تصب المطر بإنسان يذرف الدموع كما صور الغيوم وهي تصب المطر الغزير بطفل يتلفظ بكلام غير واضح ،هذا الطفل أفاق من نومه ولم يجد أمه وكان يصر على سؤاله فيقولون له إنها ستعود بعد غد تعود.. مع انهم يتهامسون بأنها في القبر الموجود بجانب التل تتناول التراب وتشرب من ماء المطر المطر الذي منع الصياد من أن يقوم بالصيد..اما رفض الطفل لحقيقة هو متأكد منها ومعرفته بأن امه توفيت لكنه يرفض ويصر على الامل المستحيل بعودتها .. فقد اثر فقدان الشاعر لوالدته في طفولته على نفسه كل الأثر .. حيث ترك ذلك بصمة لا تمحى في شخصيته فصبغته بحزن دائم نلمسه في كل اعماله الشعرية .
والمشهد الذي يتعلق بالصياد .. يقول شاعرنا أن هذا الصياد بدأ بالغناء حيث يغيب القمر ويردد أنشودة المطر ويقول لمحبوبته يسالها عن الحزن الذي يترتب عن نزول المطر.. كما يسألها عن الصوت المنبعث من المزاريب.. وعن الشعور بالضياع الذي يصيب الإنسان الوحيد .. هذا الشعور لا انتهاء له كالدم المسال والدم المراق ..فالمطر في نظره هنا يرمز إلى الحياة.
والفرح من خلال عيون الأطفال والحب والألم والحزن من خلال الموت.. يعود الشاعر إلى عيني المحبوبة فيقول أن عينيها تطيفان به عبر سواحل الخليج هذا البحر الذي تمسح سواحله البروق فتمسحه بالنجوم والمحار كأنها تحاول أن تشرق وتبشر بالخير لكنها تتفاجىء بالواقع الأليم , حيث يسحب الليل على تلك السواحل غطاء من دم حيينها يقف ويصيح بصوت مرتفع يا خليج يا مصدر
الدر والصدف والموت فيكون مصدرا للخير والشر في آن واحد ..
فالصياد يعود من صيده باللؤلؤ والصدف (المحار ) لكن المصاعب التي تواجهه ربما تأتي بموته ،الخليج بعيد وصدى صوته يعود إليه كأنه البكاء . .
وهنا نرى الابداع في اظهار الحزن والفرح .. الامل والألم .. وهو تجسيد عبقري لعمق المأساة التي عانى منها النسان العربي ( العراقي ) عبر التاريخ .. حروب وويلات وآلام وآمال ..

ثم يتحدث الشاعر عن الثورة والانسان الثائر في وطنه والرمز لأدوات الثورة فالإنسان العراقي لا يستسلم…كما يقرر ذلك الشاعر بوضوح
فيشير الشاعر إلى الخير الوفير في وطنه وانه يسمع العراق وهو يدخر ويخزن البروق والرعود في كل مكان .. في السهول والجبال.. فإذا جاء وقت جني المحصول هبت الرياح العاتية (الاستعمار أو الظلام ) ولم يتبق أي اثر تماما كالرياح التي التي قضت على قوم ثمود.
(هنا وقع شاعرنا الكبير في خطأ.. فالرياح قضت على قوم عاد وليس ثمود).


اما الغرباء :فهي رمز للطامعين المستغلين / الجراد : رمز للهلاك
يعود الشاعر للحديث عن الخيرات في العراق فيقول بأنه يسمع صوت شجر النخيل و هو يشرب المطر ويسمع كذلك صوت القرى تتألم من الظلم لأن خياراتها تذهب إلى الطامعين المستغلين ويسمع كذلك صوت المهاجرين عن وطنهم الذين يصارعون عواصف الخليج بالمجاديف والقلوع أي الأشرعة وينشدون مطر… . مطر لأن المطر رمز الخصب ، ورغم ذلك فأهل العراق يعانون من الجوع لأن موسم الحصاد لا يكون من نصيبه بل من نصيب الطامعين المستغلين الذين يتصرفون بغلال العراق الكثيرة، هذه الغلات التي تطحنها الرحى التي تدور في الحقول حولها بشر.. فالشعب يتعب ويضحي ويقدم الكثير لكنه مستعبد لا يجني من تعبه الا القيود .. والمواسم يحصدها المستغلون .. اما الشعب فيبقى في سجنه وجوعه وأنينه ..


اما عن المستضعفين المنفيين من أهل العراق فقد ذرفوا الدموع الغزيرة ليلة رحيلهم ولكنهم لم يجرؤا الإعلان عن حقيقة بكائهم خوفا من المتسلطين على العراق وادعوا أن الذي يذرفونه هو من أثر المطر الساقط على وجوههم …فهم لم يستطيعوا الاعلان عن مشاعرهم وحسرتهم لتركهم وطنهم الى مصير لا يعرفونه .
يقول الشاعر انه منذ أن كان صغيرا كانت السماء تغيم في فصل الشتاء فيسقط بعد ذلك المطر وينبت العشب ولكننا نجوع حسب قوله رغم الخير الوفير الموجود في العراق بسبب سيطرة الطامعين على الخيرات .. وهي مفارقة عجيبة .. لكن الشاعر يعود ويتفاءل فيقول ان في كل قطرة من المطر تنبت الألوان المختلفة من الأزهار سواء كانت حمراء أو صفراء … وفي كل دمعة من دموع الجياع والعراة وكل قطرة من دم العبيد التي تراق تنبأ بقدوم مستقبل مشرق في العراق هذا المستقبل المشرق الذي يظهر من خلال ابتسامة طفل رضيع وسيهطل المطر وسينبت العشب وهو الخير ..المستقبل البعيد عن الاذلال والعبودية .. لكن ذلك بقي حلما .. فالشاعر يرى ان الوطن لم يتحرر .. فيعود ويتحدث عن هبات الخليج الكثيرة .. ويقول ان الخليج ينثر
خيرا ته على الرمال ومنها الرغوة التي تلدغ الفم والتي تحمل في طياتها المحار الثمين وتحمل المياه كذلك بقايا عظام إنسان غريق كان يأتي إلى الخليج للحصول على المحار الثمين مصيره فكان مصيره الهلاك هذا الإنسان الذي ظل يصارع الموت من أعماق مياه الخليج يعود مرة ثانيه للحديث عن الطامعين الذين ينهبون خيرات العراق دون أن يبقوا شيئا للناس وهذه الخيرات قد نمت بفعل مياه نهر الفرات.. وهنا يسمع الشاعر صدى صوته يتردد مبشرا بنزول المطر.
في النهاية نقول بان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب .. قدم معزوفة عرض من خلالها المأساة والألم .. عرض الصورة الحزينة لواقع بلده .. فجسد الواقع بأسلوب غاية في الابداع .. فقد جعلنا نتحسس الألم .. واليأس .. وجسد حب الوطن وربطه بحب الأم والحبيبة محلقاً في عالم رائع غاية في الاتقان ..جعلنا نتألم ونشعر بمدى المأساة .. الا انه لم يتركنا تائهين .. بل اعطانا الأمل .. بمستقبل مشرق سيأتي على يد الطفل الرضيع الذي سيحرر الوطن ويحقق الأمل .. وتبقى ( انشودة المطر ) رائعة من روائع الشعر العربي الحديث ( شعر التفعيلة ) ..ويبقى بدر شاكر السياب احد اركان الشعر العربي الحديث ..

إسقاطات الطبيعة في شعرالشاعر البحريني الكبير : ابراهيم العريض


إسقاطات الطبيعة عند العريض
من خلال قصيدته (في سكون الليل)


بقلم : رحاب فارس الخطيب


في سكون الليل ... وماذا هنالك في سكون ليل يغفو الكون فلا من ساهر الا ما يكون من الصبا العذبة الرقيقة ! قصيدة في سكون الليل للشاعر البحريني ابراهيم العريض الذي ترك بصمة جلية في سماءالشعرالخليجي ,والتي تجلت عن شاعر مرهف المشاعر عذب الصور والخيالات ، قصيدة تدغدغ مشاعر القارىء لتحلق به ليحيا لحظة سكون الليل وهدوئه الناعم الرقيق . فالقصيدة من القصائد التي نقرؤها فنعيد قرأتها ونحفظها لأننا نشعر بأننا في حاجة لذلك الارتياح
الذي كسانا ونحن نحيا صورها من لحظة غفوة الكون حتى نخلد من العمر ساعة مع الحبيب يدا بيد في نجوى وتهامس شاعرنا بدا قصيدته :

غفا الكون...الا ما يكون من الصبا
اذا حركت مهد الزهور النواعس
تخالينها -يا مي- طهرا مجسما
على كل غصن في الخميلة مائس


فالكون جميعه قد غفا وصار في سبات عميق إلا نسائم عذبة رقيقة تهدهد مهد الزهور النواعس .
صورة أرق من النسيم لتعبر عن حالة الهدوء الحالم الذي ينثر ستاره على المكان .
فالطهر مجسماً على كل غصن من الأغصان التي تتمايل الهوينى فتظهر بصورة ناعسة


ويحبس من أنفاسها الليل ريثما
يخالطها برد الندى المتقارس
فترسل طيبا حولها في دوائر
تدور إلى ان يغمر الطيب هاجسي
وقد سكنت حتى المياه كأنها
هناك تصغي في الظلام لهامس


والليل هنا يحبس النسمات الرقيقة من مداعبة الزهور فتجد برد الندى يحركها فترسل رائحة طيبة تنشر دوائر تدور فتغمر هاجسي فأحلق في افكاري..كثيرا ما ترتبط الذكريات بنسيم او رائحة تحرك ذكرى سكنت في داخلنا لنحيا ذلك الشعور وفي صورة شاعرنا ما يجسد هذا ببراعة وقدرة على التصوير الدقيق المعبر عما نحس او نتذكر. والهدوء يخيم على المكان وهنا الصمت له صوت يهمس ويناجي وهذه صورة عذبة جميلة.

يصقلها مر النسيم فتنجلي
بها صور الاشياء تبدو رواكس
وينظر في مرآتها النجم حائرا
فليس يرى الا شرارة قابس


فالنسيم المحرك للذكريات يمر فيصقل الذكرى فنتخيل صورا تعكس مافي داخلنا لتكون كالمرآة لما نطمح ونحب.

ولا طير إلا وهو طاوٍ جناحه
على الرأس حتى المنكبين..كبائس
تخالينه من لفه الجيد ناعسا
ولكنه - يا مي- ليس بناعس

فالطائر الطاوي جناحه استوقف الشاعر في هذه الليلة الحالمة فهو ليس بناعس ويبدو كالبائس لكنه يشعر بالحنين لألحان شدا بها تعود به لذكريات تركت اثرها في قلبه.

فإن لذكرى كل لحن شدا به
سحابة يوم هزه في المغالس
تؤرقه تلك الهواجس موهنا
فيشفق من جراء تلك الهواجس


فالهواجس تؤرقه فيشعر بالضعف والحنين لموقف مر به ورحل ليترك ألماً أو حزناً باقٍ في قلبه وعقله لا ينسى , فالذكريات تؤثر فينا فتشغل طاقات كامنة تؤثر في لحظتنا ومستقبلنا فنحقق ما نصبو اليه , أو انها تصيبنا بالوهن والضعف فتؤرقنا فنركن إلى اليأس والحزن كما وجدناه عند طائرنا المثقل بالذكريات المؤلمة فيبدو كبائس. أما في حديثه عن الصورة الاخيرة التي وصف بها الروض الرائع الجمال فقال فيه:

وكم دوحة في الروض حال سوادها
بأنوار بدر شع بين المغارس
ليلبسها من نسجه بعد عريها
لجيني السنا كالعرائس

فالرياض الغناء الجميلة تشع بأنوار البدر البراقة لتلبس ثوباً رائع الحسن من الضياء فتكتسي بعد العري وهذه صورة جميلة نتصور بها الطبيعة الخلابة التي عاشها شاعرنا فنشعر بقرب المشهد من نفوسنا وعقولنا فنغدو وكأننا نحيا المشهد ليعزف لحناً دافئاً يحرك ما كمن في مشاعرنا لنشعر بالإرتياح بعد شعورنا بتعب الطائر وألمه النفسي وما ذلك الا ألم القائل والذي يسقطه على الطائر الحزين الذي يحتاج للحظة راحة وأمل في الحياة يحتاجها هو نفسه فيبحث عنها ليجدها في صورة الروض العاري الذي اكتسى بضياء البدر ليعبر عن حالة الأمل والتجدد بمستقبل افضل يريد أن يحياه ، وفي نهاية قصيدتنا نجد شاعرنا يطلب من المحبوبة التي خاطبها مرتين في القصيدة ووجه كلامه إليها بأسلوب رقيق لطيف.
فالشاعر لا يكتفي بالوصف بل مناجاة إنسان غائب لكنه قريب من القلب بأسلوب اقرب للحوار فنسرح في تخيل مشاعر عذبة غاية في الرقة تضيف جمالاً للقصيدة وتشويقاً سجله الشاعر فقال :

وتحت شعاع البدر أسفرت المنى
وعاينتها تحنو حنو الأوانس
تعالي هنا..نخلد من العمر ساعة
يداً بيدٍ في نجوة وتهامس


طلب الشاعر من المحبوبة بهذا الأسلوب الرقيق أشعرنا براحة بعد طول عناء، فتعالي نسكن ساعة راحة وهدوء نسند بعضنا يداً بيد نحقق ما نصبو ونأمل متحابين لنصل إلى مانريد..قصيدة رائعة تلمسنا فيها عمق التعب والألم الذي أراد الشاعر أن نتلمسه فشعرنا بتعب ويأس ثقيلين, وعند تلك اللحظة انتشلنا من تلك الحالة المرهقة وأعطانا بريق أمل لنخطوخطوتنا الأولى نحو الأمل والحياة وما ذلك إلا ليعبر عن شاعر رقيق المشاعر دافئ الإحساس عاش حياة مليئة بالأحداث والمشاهد والمواقف التي أثرت في شعره وصوره غريبة تنم عن خصب خيال وشاعرية الشاعر ابراهيم العريض الذي عاش حياة أثرت الطبيعة الخلابة -الهند- التي قضى طفولته وصباه فيها فحلقت بخياله ونسجت صوراً غاية في الجمال.
جاءت القصيدة عميقة المعاني تدل على معانٍ أبعد نتلمسها من خلال ما حملته من إسقاط ما في النفس على الطبيعة فكانت الصورة أبلغ ووقعها في النفس أعظم .
قصيدتنا ذات تفعيلة, رمزية تعبر عن مدى قدرة الشاعر على التجديد في شكل ومضمون القصيدة العربية العمودية , فهو بحق من أوائل المجددين معاصري بدر شاكر السياب والأعلام الأوائل ...

قراءة في قصة ( الوجه الذي من ماء .. للكاتب السعودي جبير المليحان )

بقلم : رحاب فارس الخطيب

اولاً : القصة



- 1 -
رقص البحر بجدائل من سعف لونها : مطر أبيض كورق ضوء جديد يخلق لأول مرة . و تساقط الماء في الكفين كوجه : ماءٍ وديع و طري.
كن البحر ..
و الشاطئ ..
و .. كانت الكفان تلتصقان ، والذي كوجه ماء وديع : يرتعش .. و يرتعش .. ويرتعش ، و يأخذ مظهراً بضاً كبشرة رقيقةٍ ، رقيقةٍ ، رقيقة .
.. و بسرعة كانت له عينان ، و أنف ، و فم صغير به أسنان بيضاء صغيرة ، أخذ يتنفس ، و عيناه ترمشان ، و كان يخطو . كان جميلاً كله ، و بلونٍ عذبٍ .. عذب .
و عندما كانت الكفان تلتصقان ، وتنمو بينهما غابات الدفء : كان الوجه الوديع ينمو بدفءٍ ،
وكان البحر ،
والشاطئ الرملي ،
و الوجه الوديع كان .
- 2 -
و الوجه الوديع الذي من ماءٍ يترعرع مطراً يسقي أعشاب الكفين ، والكفان المتلاصقان ينفحان الوجه الوديع دفئاً :
كان قلق صغير .. صغير ، مزعج و يتحرك ، و كان طائران أبيضان من طيور البحر .. فوق الشاطئ الرملي ..
و البحر : مد الوجه الوديع رقبته .. الطائران يبتعدان قليلاً .. حاولا أن يطير ، خلف طيور البحر .. فوق البحر ، و فوق البحر ، وفوق الأرض .. و يطير . تقافُـز جسمه بالحركة ، و ترعرعه مطراً ، وعطش الأعشاب المنتظر مطرهُ كانت تطوي تلك اللهفة المنتهية بالانكسار . تقافز جسمه قاد الكفين : ذهبا حيث الشاطئ الرملي الأصفر : يغنيان . كان الوجه يحدق في الماء ، في الأسماك التي تسبح في الماء في الأسماك التي تمشي في الماء و لا تتوقف . و ودّ لو كان سمكة . قال لنفسه : أنه ليس غيمة أو ريح .
- 3 -
الكفان ، هاهما : أغنية زرقاء ، غيمة ربيع ، ورقة جديدة .
- 4 -
كان البحر والشاطئ و الكفان : غابة صغيرة و خيول ولعب . جبال ملونة و ماء . نخلة يلعب الأطفال تحت ظلها و يأكلون ، و يغنون :
الكفان ،
و الوجه الوديع يدنو ، ويحدق في البحر و يدنو ، ويحدق في البحر ، و يود لو يكون : سمكة .. طائراً .. غيمة .
- 5 -
و عندما كانت الخيول الصغيرة و اللعب .. و الفرح ، و الجبال و الغيوم و الغابة و الماء و النخلة .. الكفان : تسقط ، و الوجه الوديع الذي كوجه ماء وديع وطري : تتلاشى أعشابه على الرمال الصغيرة على الشاطئ الأصفر ، بجانب البحر ، وسط الكفين ، وهي ترتعش .. كان الذي يلبس عقالاً و غترة : يقترب .. يقترب .. يقترب .
- 6 -
… آثار أقدام الكفين ..
… مواطئ القدم ..
على الرمال الصغيرة على الشاطئ الأصفر بجانب البحر الذي بدأ يزحف على الرمال ..
الناس يركضون …

---------


القراءة النقدية


قصة الدلالات والصور الرمزية هي قصة أديبنا المبدع جبير المليحان
لم يبدأ الكاتب القصة بالأسلوب المباشر لتتضح عناصر القصة ..فلم يأت الزمان واضحاً ولا المكان .. كذلك الشخوص ،
انتهاءً بالعقدة والحل إلا أنه لا يشترط في القصة الحديثة وجود العقدة والحل كما هو معروف ..
اعتمد الاستاذ جبير الرمز والدلالات البعيدة ليعبر عما أراد .. لهذا سأتناولها في تحليلي لهذه القصة ..
فغموض العناصر الفنية للقصة يعطي بعداً لها ليدل على حالة اللا وضوح وضبابية كثير من الأمور التي يحياها الإنسان في صراعه مع الحياة .
أما بالنسبة للصور الفنية فقد أبدع أديبنا في وضعها حيث عبر عن الحركة الصادرة عن البحر بالرقص وربطه بالمكان فذكر جدائل السعف .. حيث قال : ( رقص البحر بجدائل من سعف ) فجاءت صورة جميلة . كذلك ( تساقط الماء في الكفين كوجه ماء وديع وطري ) .. صورة غريبة لتكون البحر والشاطئ ..
أما إعطاء الوجه الجديد ( البحر والشاطئ ) صفات تشخيصية كالعينين والأنف والفم الصغير به أسنان صغيرة .. فهي تعطي إيحاء برقة وعذوبة المكان .
حتى الغابات التي نمت في المكان ( غابات دفء ) فالمكان حميمي المشاعر ورقيق .
والصورة العذبة تمثلت في تعبير أديبنا بقوله : ( والوجه الوديع الذي من ماء يترعرع مطراً يسقي أعشاب الكفين ، والكفان المتلاصقان ينفحان الوجه الوديع دفئاً ) ..فالعلاقة علاقة حب ودفء مشاعر متبادلة أخضر المكان واعشوشب بها فكان جميلاً ..!
حياة هانئة وديعة .. إلا أن شيئاً ما حدث فجأة قلب الحياة الرغدة فغير حالها ..
وبظهور الطائرين ومحاولة طيران الوجه الوديع لتقليدهما ..حيث طار وابتعد عن المكان مخلفاً عطش الأعشاب المنتظر ..
فالبحر والشاطئ والكفين .. كانت مسرحاً للعب الأطفال وللخيول والمرح .. غناء الأطفال تحت أشجار النخيل كان رمزاً للحب وللعطاء بلا حدود .. الكل فرحون تغمرهم السعادة ..رأى الوجه الذي من ماء كل هذا وهو بعيد محلق نحو الشاطئ الرملي الأصفر .. إلا أن كل هذا انقلب الآن فالأعشاب بغيابه تتلاشى على الرمال الصفراء وترتعش ..
هناك خطر محدق يقترب ويقترب ليجعل الجميع يركضون لا يدرون ماذا يحصل ..
( كان الذي يلبس عقالاً وغترة يقترب .. يقترب .. يقترب .. ) وهنا يتضح بأن الخطر يداهم الجميع وليس خاصاً بمكان بعينه .. وهذه العبارة توحد الكل في تعرضهم لما سينزل بهم من خطر يفرد جناحيه عليهم جميعاً في كل مكان وقطر ..
القصة رمزية تأخذ ابعاداً عامة تحياها الأمة .. تصف حالة الهناء ورغد الحياة واخضرارها ..بداية بدلالات العشب وغناء الاطفال والخيول الصغيرة والفرح والجبال والغابة والماء والنخلة .. لكن كل شيء تغير حيث تلاشي الأعشاب والخوف القادم بدلالة ارتعاش الكفين .. والناس وهم يركضون ..كل ذلك يخرج القصة من المعنى الخاص لتأخذ بعداً عاماً متلمساً الأحداث وما يجري للأمة بسبب الخطر الذي داهمها .. وعدم معرفة ماهياتنا وماذا نريد .. فتهنا في عالم الضياع ..ولم نستطع الرجوع .. وابتعدنا ليحل الخطر مكاننا ..
قصة رمزية قد نفهمها ونفسرها بأبعاد عدة ..رائعة من حيث الصور .. غريبة الفكرة ، تطرح أبعادا إنسانية وقومية بأسلوب الرمز غير المباشر ..
وكذلك فإن عنصر الخيال جلي إذ استطاع الكاتب أن يحلق بمهارة في مشاهد تصويرية عذبة وجميلة لتوصيل فكرة حالة الصفاء في بداية القصة وحالة العكر التي حصلت فيما بعد ..
قصة الأبعاد والصور والدلالات هي قصتنا .. قصة معبرة قوية اللفظ بعيدة المعاني .. لها وقع بيّن في النفس ويترك تساؤلات كثيرة …