النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

الام .. في رواية ام سعد للروائي الشهيد غسان كنفاني


بقلم : رحاب فارس الخطيب


الإهداء ..
إلى أم سعد , الشعب والمدرسة ...
بدءاً بالإهداء مروراً بالأحداث إلى نهاية القصة التي لم تنته بعد... عبرت أم سعد وما زالت تعبر عن الأم البسيطة التي تكد وتعمل وتجتهد في سبيل لقمة العيش لتمتد جبلا شامخا لتعبر عن أمة مثقلة بالهموم والتعب, لترسم نضال شعب تعب جاهد ويجاهد ليحقق المستحيل وحده في ساحة الحياة لا لأنه جبار لم ولن يتعب بل لأنه أراد صعود الجبال لا بد أن يتجاوز الحفر ..
صورة الأم التي امتدت لتكون كل الأمهات لترسم صورة وطن يعتز بأبنائه ...استطاع أديبنا الكبير غسان كنفاني أن يصور بداية عرضه لشخصيتها
(مثل شيء ينبثق من رحم الأرض ) وهذه إن عبرت فإنما عن شخصية قوية هي الأم... وهي دائماً ( تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما لا نهاية له) فالأم عطاء بلا حدود هي الماضي والحاضر والمستقبل.
أم سعد هي صوت الإرادة والتحمل والصوت الذي يصرخ في وجوه الضعفاء الذين يدعون القوة.
( أم سعد هي ترقي الطريق نحونا,تحمل الصرة الصغيرة التي تحتفظ بها دائماً وتسير عاليا كما لو أنها علم ما تحمله زنود لا ترى ) هي رمز القوة دائماً تسير عاليا تأبى أن تركع لأن الأم إن خضعت تاهت الأمة وضعفت فتكون في مهب الريح ...
وهي عند كاتبنا رمز الأمل والعطاء بلا حدود رغم الجراح فهي ترفع يدها المجروحة بإشراقه أمل عبرت عنه بعود الدالية اليابس نحو بطل قصتنا ليزرعه وهذا تعبير عن المستقبل والنظرة إلى المستقبل إنه آت ولا بد لنا أن نحياه ونحضر له بالعمل والجهد.
رغم المواقف العادية التي أظهرها أديبنا من خلال أحداث القصة إلا أن كل كلمة فيها وموقف يحلل وينقد واقعا لا يستطيع الكثيرون عن تحليله وفهمه.
(والزيتون لا يحتاج إلى ماء أيضا, إنه يمتص ماءه عميقا في بطن الأرض, من رطوبة التراب) فالزيتون يعبر عن أبناء الوطن الذين يمتدون بعيدا في بطن الأرض يتجذرون عميقا يحيون ويصمدون ويتغذون حبه وصبره طويلا...هذه كلماتها والتي تعبر عن أم عظيمة يزخر الوطن بأمثالها فكلهم أم سعد...
(وبدت لي وهي تمشي عبر الممر شيئاً شامخاً عالياً,كما كانت تبدو دائماً) فالأم دائماً تخاف على أبنائها وهنا خوفها أمتد ليعبر عن خوفها على الوطن فهو أغلى من أبنائها وعليهم أن يضحوا ولا يقفوا عند حد في سبيل عودته حراً.
ويظهر تمسك أم سعد بالمبادئ فهي تنادي بالحرية التامة للإنسان وللوطن أثناء جدالها مع المختار عن مجموعة الشباب الذين رفضوا أن يكونوا اوادم بالمعنى المعاصر. تلك المرأة البسيطة المظهر العميقة الشخصية المتجذره بالأرض لتكون الصوت الصامد الحر فينا.
فهي بعبارتها البسيطة تعبر عن فلسفة عظيمة تلخص الهزيمة وقضبان الحبس الكبير الدنيا, لكنها مصرة على الخروج من الحبس (الحبس كله!) أم سعد عانت الكثير من البؤس والحرمان إلا أنها تأمل (ترتد إلى لساني غصة المرارة التي علكتها, حتى الدوار سنة بعد سنة) (وسقط صمت متحفز فيما بيننا ,وفجأة رأيتها جالسة هناك,عجوزا قوية ,اهترأ عمرها في الكدح الشقي) فتعب أم سعد تشهده السنون وتؤكده الحوادث...تعبت فهي إنسانة بسيطة إلا أنها تصمد لتتحمل ما لم يتحمله الآخرون.
فهي مصرة على العودة إلى الوطن البعيد تفتقده تحياه ذكرى تصمم على العودة إليه فتقدم ابنها في سبيل ذلك وترفض الخضوع,وتريد الانضمام إليه لتعود إلى الوطن.
وأم سعد جبل من الثبات داخله ألم وتعب وحسرة (واهتز الجبل أمامي ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق) )لقد جاءت مثلما تتفجر الأرض بالنبع مثل أول الأبد,مثلما يستل السيف من غمده الصامت) ,(عمري كله لم أر كيف يبكي الإنسان مثلما بكت أم سعد . تفجر البكاء من مسام جلدها كله. أخذت يداها اليابستان تنشجان بصوت مسموع , كان شعرها يقطر دموعا,شفتاها,عنقها,مزق ثوبها المنهك,جبهتها العالية ) آه أم سعد حينما يبكي الجبابرة تبكي الأنهار دموعا وتنشج الأرض ويهدر الرعد صراخا وأنينا,ورغم ذلك جبهتها عالية لا تنحني فهي لا تستطيع الانحناء وهي الأم المناضلة لا تعرف الخوف تقف فتكون مثالا للصبر والصمود لا لأنها أرادت بل لأن حلما بالكرامة يجثو على صدرها يبعده الكثيرون لأنهم يخافونه.
أم سعد هي الوطن والوطن أم سعد هي المرأة التي أبت أن تبكي لأن البكاء لا يكون إلا على الميت لكن الوطن لم يمت في قلبها بل تتنفسه شوقا وحبا وكرامة رغم قسوة وألم الجراح التي تجرعتها في سبيل أمل تحياه بالعودة إلى وطن ترفض أن يصبح ذكرى فهو الأمل الذي يربطنا بالحياة نحبه ونعشقه ينبض عزة وإباء لا يضام.
أم سعد المرأة الفلسطينية التي هجرت عن موطنها فهي رمز لكل أم فلسطينية عانت ألم الشتات وفقد الأحباب وتقديم الابناء واحدا تلو الآخر في سبيل الحب الأكبر والأغلى, فهي خير مثال لكل أم ما زالت صامدة رغم الجراح..كانت رمزاً وما زالت تمثل الأمومة والعطف تقدم ابناءها للوطن فهو الام الرؤوم لأبنائه.
وغسان كنفاني أديب المعاناة والألم استطاع أن يقدم رواية غاية في الإبداع من خلال عناصر القصة من مكان وزمان وشخوص وأحداث زاخرة إلا أن العقدة لم تكن لتصعد فتصل الذروة لأن القصة ما زالت مستمرة والعقد كثيرة في كل يوم ولحظة في الوطن والشتات.قلم مبدع تميز بصدق العرض وبعد الرؤيا والصورة العميقة التي تلخص أحداثا كثيرة بصورة معبرة عميقة المعنى قوية العبارة فكل لفظة وكل عبارة وكل صورة تحمل أبعادا ورؤى تستشرف المستقبل وتأتي ببارق أمل رغم عتمة الواقع...هذا أنت أديبنا الكبير غسان كنفاني الأديب الفلسطيني الذي غادرنا مستعجلاً ليترك يداً وضعها على الجرح وأملاً لا بد حاصل في يوم من الأيام وهو العودة للوطن.