النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة في قصيدة أنشودة المطر للشاعرالعراقي : بدر شاكر السياب


بقلم رحاب فارس الخطيب

اولا : القصيدة :

عيناك غابتا نخيل ٍ ساعة السحر،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهر
يرجّه المجداف وهناً ساعة السَّحر
كأنما تنبض في غوريهما، النُّجوم …
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء،
دفٍء الشتاء فيه وارتعاشات الخريف،
والموت، والميلاد، والظلام، والضياء'
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر !
كان أقواس السحاب تشرب الغيوم
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر …
وكركر الأطفال في عرائش الكروم،
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر …
مطر …
مطر …
مطر …
تثاءب المساء، والغيوم ما تزال
تسحُّ ما تسحُّ من دموعها الثقال.
كأنّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:
بأن أمه - التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له : " بعد غدٍ تعود …" -
لا بدّ أن تعود
وإن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر،
كان صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
ويلعن المياه
وينثر الغناء حيث يأفل القمر .
مطر …
مطر …
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع،
بلا انتهاء - كالدّم المراق، كالجياع،
كالحبّ، - كالأطفال، كالموتى - هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تسمح البروق
وسواحل العراق بالنجوم والمحار،
كأنها تهمّ بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثار
أصيح بالخليج : "يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!"
فيرجع الصدى
كأنّه النشيج :
"يا خليج يا واهب المحار والردى …"
أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال،
حتى إذا ما فض عنها ختمها الجبال
لم تترك الرياح من ثمود
في الوادي من اثر.
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاديف وبالقلوع،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
"مطر …
مطر …
مطر …
وفي العراق جوع
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
ورحىً تدور في الحقول … حولها بشر
مطر…
مطر…
مطر…
وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموع
ثم اعتللنا - خوف أن نلام - بالمطر …
مطر…
مطر…
مطر…
ومنذ أن كنا صغار ، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر،
وكلّ عام - حين يعشب الثرى - نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع.
مطر…
مطر…
مطر…
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهور.
وكلّ دمعة ٍ من الجياع والعراة
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي، واهب الحياة !
مطر…
مطر…
مطر…
سيعيش العراق بالمطر …"
أصبح بالخليج : "يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!"
فيرجع الصدى
كأنّه النشيج :
"يا خليج
يا واهب المحار والردى."
وينثر الخليج من هباته الكثار ،
على الرمال ، : رغوه الأجاج، والمحار
وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ضل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرّحيق
من زهرة يربها الفرات بالندى.
واسمع الصدى
يرن في الخليج
"مطر …
مطر….
مطر…
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنَّة الزهور.
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتى، واهب الحياة ."
ويهطل المطر


أنشودة المطر: هي إحدى قصائد السياب التي تؤرخ مرحله من مراحل تصدع الفكر العربي وانكساره وهي حياه الشاعر نفسه وحياة الإنسان العربي بتناقضاته وأزماته المريرة … وقد استخدم السياب ا لرمز والرمز تطور في الضمير (عيناك ) بما فيه من حركه واضطراب توحيان بالحياة إلى الأم الحقيقية التي ماتت عندما كان الشاعر صغيرا … انه التطور الطبيعي من الحياة إلى الموت فالخط الأول للقصيدة هو التجدد.. الولادة.. الخصب وهو الضياء والميلاد.
فهذه التحولات النفسية واستخدامه للرموز أثارت في نفسه حزنا مأساويا يؤكد تلازم الإنسان بالكفاح من اجل حياة افضل.
ان اكثر ما يميز قصيدتنا هو الصور الفنية والاستعالاات والدلالات والتي استطاع الشاعر توظيفها لتعبر عما يجول في خاطره من تناقضات يحياها الانسان العربي والانسان العراقي على وجه الخصوص .. في فترة مهمة من تاريخنا الحديث ..

فقد شبه الشاعر عيني المحبوبة بغابتي نخيل في ساعة متأخرة من الليل وهذا دلاله على جمال عيني المحبوبة حيث السواد الشديد الذي يخالطه البياض وشبه عيني المحبوبة حينما تبتسم بالكروم المورقة ، وهي صورة غريبة عبرت عن تلاحم العلاقة بين المرأة والوطن ..

كذلك ابتسامة عينيها تجعل النجوم والأضواء تتحرك في عمقها .. و من الواضح أن عيني المحبوبة غير قادرتين على الإبصار لا لضعف فيهما بل لأن الظلام يلفهما ..فهما رمز جلي للأم والوطن والمحبوبة.

كذلك الضباب يرمز إلى الحزن . فيقول الشاعر أن عيني المحبوبة تغرقان في عالم من الحزن الشفيف فشبه عيني المحبوبة بالبحر الواسع الذي أرسل المساء يديه فوقه فشبه المساء بإنسان له يدين يرسلهما فوق البحر ففي هذا البحر تتجمع الأشياء المتناقضة
دفئ الشتاء التي يقابلها ارتعاشه الخريف والموت والميلاد والظلام والضياء فالأضاد لها وقع عميق في النفس ..
فتنعكس هذه الأشياء على نفسية الشاعر فيحس برعشة البكاء بسبب الحزن كما سرت في جسده نشوة تعانق السماء هذه النشوة تشبه بنشوة الطفل الذي يخاف من القمر
كذلك صورة السحاب فهي كالإنسان تشرب وهنا تشرب الغيوم ثم لا تلبث أن تذوب تحت عرائش الكروم فيعزف المطر أنشودته فتتحرك العصافير وتستبشر بنزول المطر وتأخذ بترديد مطر .. مطر . ونلاحظ تركيز الشاعر الكبير على صورة الأطفال لتمثل البراءة والنقاء .. الاطفال الذين يفرحون ويعبرون عن فرحهم بالابتسامة او بتعبيرات غريبة في بعض الاحيان .

كذلك تصوير المساء بإنسان يتثاءب كما صور الغيوم التي تصب المطر بإنسان يذرف الدموع كما صور الغيوم وهي تصب المطر الغزير بطفل يتلفظ بكلام غير واضح ،هذا الطفل أفاق من نومه ولم يجد أمه وكان يصر على سؤاله فيقولون له إنها ستعود بعد غد تعود.. مع انهم يتهامسون بأنها في القبر الموجود بجانب التل تتناول التراب وتشرب من ماء المطر المطر الذي منع الصياد من أن يقوم بالصيد..اما رفض الطفل لحقيقة هو متأكد منها ومعرفته بأن امه توفيت لكنه يرفض ويصر على الامل المستحيل بعودتها .. فقد اثر فقدان الشاعر لوالدته في طفولته على نفسه كل الأثر .. حيث ترك ذلك بصمة لا تمحى في شخصيته فصبغته بحزن دائم نلمسه في كل اعماله الشعرية .
والمشهد الذي يتعلق بالصياد .. يقول شاعرنا أن هذا الصياد بدأ بالغناء حيث يغيب القمر ويردد أنشودة المطر ويقول لمحبوبته يسالها عن الحزن الذي يترتب عن نزول المطر.. كما يسألها عن الصوت المنبعث من المزاريب.. وعن الشعور بالضياع الذي يصيب الإنسان الوحيد .. هذا الشعور لا انتهاء له كالدم المسال والدم المراق ..فالمطر في نظره هنا يرمز إلى الحياة.
والفرح من خلال عيون الأطفال والحب والألم والحزن من خلال الموت.. يعود الشاعر إلى عيني المحبوبة فيقول أن عينيها تطيفان به عبر سواحل الخليج هذا البحر الذي تمسح سواحله البروق فتمسحه بالنجوم والمحار كأنها تحاول أن تشرق وتبشر بالخير لكنها تتفاجىء بالواقع الأليم , حيث يسحب الليل على تلك السواحل غطاء من دم حيينها يقف ويصيح بصوت مرتفع يا خليج يا مصدر
الدر والصدف والموت فيكون مصدرا للخير والشر في آن واحد ..
فالصياد يعود من صيده باللؤلؤ والصدف (المحار ) لكن المصاعب التي تواجهه ربما تأتي بموته ،الخليج بعيد وصدى صوته يعود إليه كأنه البكاء . .
وهنا نرى الابداع في اظهار الحزن والفرح .. الامل والألم .. وهو تجسيد عبقري لعمق المأساة التي عانى منها النسان العربي ( العراقي ) عبر التاريخ .. حروب وويلات وآلام وآمال ..

ثم يتحدث الشاعر عن الثورة والانسان الثائر في وطنه والرمز لأدوات الثورة فالإنسان العراقي لا يستسلم…كما يقرر ذلك الشاعر بوضوح
فيشير الشاعر إلى الخير الوفير في وطنه وانه يسمع العراق وهو يدخر ويخزن البروق والرعود في كل مكان .. في السهول والجبال.. فإذا جاء وقت جني المحصول هبت الرياح العاتية (الاستعمار أو الظلام ) ولم يتبق أي اثر تماما كالرياح التي التي قضت على قوم ثمود.
(هنا وقع شاعرنا الكبير في خطأ.. فالرياح قضت على قوم عاد وليس ثمود).


اما الغرباء :فهي رمز للطامعين المستغلين / الجراد : رمز للهلاك
يعود الشاعر للحديث عن الخيرات في العراق فيقول بأنه يسمع صوت شجر النخيل و هو يشرب المطر ويسمع كذلك صوت القرى تتألم من الظلم لأن خياراتها تذهب إلى الطامعين المستغلين ويسمع كذلك صوت المهاجرين عن وطنهم الذين يصارعون عواصف الخليج بالمجاديف والقلوع أي الأشرعة وينشدون مطر… . مطر لأن المطر رمز الخصب ، ورغم ذلك فأهل العراق يعانون من الجوع لأن موسم الحصاد لا يكون من نصيبه بل من نصيب الطامعين المستغلين الذين يتصرفون بغلال العراق الكثيرة، هذه الغلات التي تطحنها الرحى التي تدور في الحقول حولها بشر.. فالشعب يتعب ويضحي ويقدم الكثير لكنه مستعبد لا يجني من تعبه الا القيود .. والمواسم يحصدها المستغلون .. اما الشعب فيبقى في سجنه وجوعه وأنينه ..


اما عن المستضعفين المنفيين من أهل العراق فقد ذرفوا الدموع الغزيرة ليلة رحيلهم ولكنهم لم يجرؤا الإعلان عن حقيقة بكائهم خوفا من المتسلطين على العراق وادعوا أن الذي يذرفونه هو من أثر المطر الساقط على وجوههم …فهم لم يستطيعوا الاعلان عن مشاعرهم وحسرتهم لتركهم وطنهم الى مصير لا يعرفونه .
يقول الشاعر انه منذ أن كان صغيرا كانت السماء تغيم في فصل الشتاء فيسقط بعد ذلك المطر وينبت العشب ولكننا نجوع حسب قوله رغم الخير الوفير الموجود في العراق بسبب سيطرة الطامعين على الخيرات .. وهي مفارقة عجيبة .. لكن الشاعر يعود ويتفاءل فيقول ان في كل قطرة من المطر تنبت الألوان المختلفة من الأزهار سواء كانت حمراء أو صفراء … وفي كل دمعة من دموع الجياع والعراة وكل قطرة من دم العبيد التي تراق تنبأ بقدوم مستقبل مشرق في العراق هذا المستقبل المشرق الذي يظهر من خلال ابتسامة طفل رضيع وسيهطل المطر وسينبت العشب وهو الخير ..المستقبل البعيد عن الاذلال والعبودية .. لكن ذلك بقي حلما .. فالشاعر يرى ان الوطن لم يتحرر .. فيعود ويتحدث عن هبات الخليج الكثيرة .. ويقول ان الخليج ينثر
خيرا ته على الرمال ومنها الرغوة التي تلدغ الفم والتي تحمل في طياتها المحار الثمين وتحمل المياه كذلك بقايا عظام إنسان غريق كان يأتي إلى الخليج للحصول على المحار الثمين مصيره فكان مصيره الهلاك هذا الإنسان الذي ظل يصارع الموت من أعماق مياه الخليج يعود مرة ثانيه للحديث عن الطامعين الذين ينهبون خيرات العراق دون أن يبقوا شيئا للناس وهذه الخيرات قد نمت بفعل مياه نهر الفرات.. وهنا يسمع الشاعر صدى صوته يتردد مبشرا بنزول المطر.
في النهاية نقول بان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب .. قدم معزوفة عرض من خلالها المأساة والألم .. عرض الصورة الحزينة لواقع بلده .. فجسد الواقع بأسلوب غاية في الابداع .. فقد جعلنا نتحسس الألم .. واليأس .. وجسد حب الوطن وربطه بحب الأم والحبيبة محلقاً في عالم رائع غاية في الاتقان ..جعلنا نتألم ونشعر بمدى المأساة .. الا انه لم يتركنا تائهين .. بل اعطانا الأمل .. بمستقبل مشرق سيأتي على يد الطفل الرضيع الذي سيحرر الوطن ويحقق الأمل .. وتبقى ( انشودة المطر ) رائعة من روائع الشعر العربي الحديث ( شعر التفعيلة ) ..ويبقى بدر شاكر السياب احد اركان الشعر العربي الحديث ..