النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة في قصة ( وجوه وطبائع )من أدب المهجر : للقاص المغترب علي أبو سالم


بقلم : رحاب فارس الخطيب

نلتقي في هذه القراءة لتسليط الضوء على قصة مختلفة الوقع .. حيث ينهج كاتبها نهجاً يختلف عن القصص المألوفة لتأخذ منحى التحليل النفسي من خلال التعرف على كنه البشر وماهياتهم من الداخل في محاولة لتعرية النفوس رغم زخرف المظهر الخارجي .. حاول من خلالها كاتبنا علي أبو سالم الأديب المهجري ذو الحس المرهف والانتماء القوي أن يعبر بأسلوب القصة الشيق عن طبائع ووجوه البشر ..
فقد بدأ قصته من خلال التعبير عن وحدته وشعوره بالضيق الذي انتابه فخرج يبحث عن ترفيه للنفس وتخلصاً من عناء التكرار اليومي والروتيني للحياة .. فلاحظ انعكاس طبائع النفس البشرية وتصرفاتها وما يعتريها من تفاصيل دقيقه تحدد الملامح العامة للشخصيات كما هي بادية للعيان ..
فمن خلال مجريات القصة قدم الكاتب المتأمل أبو سالم فلسفته في النفس الانسانية فهو يراها ( كالبئر العميقة التي ليس لها قرار نهائي تتحكم فيها عوامل ومؤثرات كثيرة يصعب علينا الوقوف عند تخومها ) .. وأن الإنسان لا يكون إنساناً فاعلاً في نظر كاتبنا إلا إذا اشتركت عناصر من مثل عنصر الملاحظة وتفاعل الذاكرة وعنصر النسيان ، إذ لا يمكن تحديد هدفه وطريقة حياته كانسان مفكر إلا بها .. وأن انعدامها يؤدي إلى أن يصبح الإنسان إنسانا عاديا يعيش حياته بهدوء .. حياة بسيطة كما جاء في القصة .
قدم لنا أديبنا المهجري بعض المشاهد والتي تعبر عن شخصيات أصحابها فعرض مشهداً لبضعة أطفال من ذوي الطبع الحاد المتمرد يجلسون في المقعد الخلفي للعربة الأخيرة من القطار والذي استقله لهذا الهدف .. وقد وصفهم بأنهم لا يكترثون لشيء إلا لفت الانتباه وعدم الشعور بالمسئولية . وهنا طرح الكاتب قضية الحرية التي منحت لهؤلاء الاطفال من خلال القوانين والنظم التربوية الحديثة والتي استخدمت استخداماً خاطئاً فعمدوا إلى التدخين وتصرفات أخرى غير مسؤولة ..
كذلك عرض الكاتب مشهد العجوز ( ذي السبعين عاماً ) ينفث الدخان من غليونه دون إحساس بمشاعر الآخرين فيزرع الموت ولا يبالي …
وقد حمّل كاتبنا المسئولية إلى الكبار .. فهم السبب في إعطاء المثل السيء للاطفال والشباب فينهجون نهجاً خاطئاً .. ثم انتقل الكاتب صاحب القدرة على الوصف الدقيق ليعرض مشهد الطفل الذي يحمل بالوناً أحمراً فرحاً به .. إلا أن بالونه انطلق منه بعيداً بسبب نسمة عابرة هبت وأخذته منه .. فمضى الطفل خلفه لا يدري ماقد يحصل له .. فلحقت به الأم راكضة غير شاعرة بنفسها محاولة إنقاذ طفلها غير آبهة لما قد يحصل لها من خطر السيارات إلا أن أمومتها أخذتها لتنقذ وليدها ..
أما المشهد الأخير فقد كان من نصيب فتاة ذات شعر أشعث غير مسرح تقف وفي يدها سيجارة وتنفث دخان السم الأبيض .. رأى الكاتب بأنها تحاول الهروب من حظها السيء .. ومن الحزن الذي بداخلها وقد علم غواصنا ذلك من خلال شرود نظراتها وطريقة تدخينها ..
وفي نهاية القصة عاد بطل القصة حيث بدأ .. إلى حياته الرتيبة والتي فضلها في نهاية القصة على رتابتها لأن فيها زاويته المفضلة وحديقته وروده الجميلة وأوراقه المتناثرة هنا وهناك .. إلى زوجته وأطفاله مع إصراره على إبقائها كما هي عليه ..
بالنسبة لعناصر القصة ، فكما نعلم فان عناصر القصة من زمان ومكان وشخوص وأحداث وعقدة وحل .. لا يشترط وجودها كاملة ( كما هو الحال في الرواية ) .. إلا أن تحقق معظمها ضروري .. وقد برز عنصر المكان جلياً وهو إحدى ضواحي ( ملبورن ) في أستراليا .. حيث يعيش الكاتب .
أما الزمان فقد يتكرر الحدث في أي زمان لأنها مشاهد من الحياة اليومية الرتيبة ..
أما الأحداث والعقدة فكانت من خلال عرض المشاهد المتعددة فلم تبرز بتسلسل متتابع كما هو مألوف لأن الغرض هو الغوص في هوية النفس الإنسانية وهو غرض تأملي فلسفي بحت ..!
والأسلوب المتبع هو أسلوب الوصف الدقيق الذي يهتم بالحركات الجسدية التعبيرية والتي تعكس ما يعتلج النفس من الداخل .
وإذا تطرقنا إلى الصور فالصور رائعة عند كاتبنا وذات دلالات مؤثرة ومعبرة وهو أمر رائع عند من هاجر وابتعد عن استخدام اللغة العربية .. حيث أورد عدة صور فنية منها :
( أحاول التقاط الوجوه العابرة ) .. فهو يصف نفسه وكأنه كاميرا تلتقط الصور ..
كذلك قوله عندما شبه نفسه بمرآة تنعكس عليها الصور .. وهنا تنعكس عليها طبائع النفس البشرية وتصرفاتها .. فقال :
( وما يقع في دائرة ملاحظتي من تصرفات الناس من حولي .. كانعكاس لطبائع النفس البشرية وتصرفاتها من خلال أدق التفاصيل )
كذلك وصفه لنفسه بأنه غواص يقوم بسبر أعماق النفس الإنسانية لمعرفتها من الداخل .. فقال :
( ومن خلال حشريتي ورغبتي الجامحة في الغوص عميقا في تصرفات الناس … )
كذلك تشبيهه أفكاره بشيء يلتهب .. والحيرة بشيء يتملكه ..( تلتهب أفكاري وتتملكني الحيرة )
هذا وقد أبدع بوصف النفس الإنسانية بالبئر العميقة ( النفس الإنسانية .. كالبئر العميقة ).
أما الحياة فهي متنوعة عنده وهي كالكهف وفي ذلك دلالة على الخوف من المجهول
( والتنقل في كهوف الحياة المتنوعة )
ومحركات السيارات والحافلات لها صورة الأسد تزمجر عند كاتبنا وفيها دلالة على صخب الحياة وصراعها وعدم القدرة على الهدوء وطيب العيش فقال :
( محركات الحافلات تهدر والسيارات تتسابق وكوابح العجلات تزمجر وتزعق مزمجرة .. ) وقد ورد غيرها من الصور المعبرة إلا أنني أوردت بعضا منها فقط ..
أسلوب كاتبنا أبو سالم ..أسلوب شيق يسبر فيه النفس الإنسانية بأسلوب يسر ممتع .. حيث عرض طبائع نماذج من البشر وأعماقهم من خلال حركاتهم ووجوههم علما بأن هذا النوع من الفن القصصي قل أن نجده .. فهو يتطلب قدرة فلسفية ومعرفة بخبايا النفس وهو أمر لا يستطيعه الكثيرون ..
فقط أريد أن أهمس في أذن أديبنا المبدع صاحب القلم المعبر .. حبذا لو استخدم المونولوج الداخلي في الفقرة التالية : ( من هنا مواضيعي كما ستلاحظون …. إلى قوله : التي يقومون بها وطريقة عيشهم اليومي ) حيث جاءت هنا مباشرة ..
أخيراً نشكر الكاتب الأديب علي أبو سالم ( الجذور ) على قصته التأمليه المميزة والتي عبرت عن إنسان لا يحيا إلا بالآخرين .. يشعر بالوحدة أحياناً .. فيتعمق في فهم النفوس .. إنسان منتم ذو عاطفة جياشة وفكر مستنير .. وضع مبدءاً ويسير عليه .. يثق بخطواته ويعنز بنفسه .. إلا أن ما يقلق راحته هي الوحدة رغم خضم الحياة … ! )