النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

محاورة مع الشاعر الفلسطيني : محمود درويش في قصيدته (أنت منذ الآن غيرك)




بقلم الناقدة : رحاب الخطيب


حتى الآن لم أنعك شاعري ، أما الآن فسأعلن نعيي لك صديقي ... شاعرنا الكبير

محمود درويش ...

تنهيدة كبيرة علت صدري خنقتني أثقلتني بالآلام
عندما انتهيت من قراءة قصيدتك
" أنت منذ الآن غيرك " رسالتك الأخيرة التي وجهتها لأبناء الوطن الباسل الحر
الذي يأبى الضيم .. الجبل الشامخ في وجه العدو الذي رفض وناضل وقدم الشهداء
الواحد تلو الآخر الذي ما يزال أبناؤه يعتزون بأنا فلسطيني أو أنا في الشتات
بجنسيات وألوان فرضها الاستعمار علي لكني من أصل فلسطيني...
آه صديقي ...
كم آلمتني التنهيدة لأن الضربة في الرأس تؤلم ... كيف لا وهي من أقرب الناس ..
أخي ..رسالتك لأبناء الوطن الواحد للفلسطينين الذين شغلهم الكرسي ... لطالما
تميزوا عن غيرهم بكل شيء لكنهم الآن غيرهم...
رسالتك الأخيرة اليهم صفعة يجب أن يتلقوها ليستيقظوا جميعا من سباتهم الذي طال
تخليهم عن مبادئهم وهوياتهم ليقبعوا خلف اقبية التفاهة ...
صديقي .. رحمك الله ، فأنت لم تستطع التحمل أكثر .. تعبت من طول الطريق رأيت ما لم يره الآخرون.. أثقل صدرك خزي الإخوان ..
لم تستطع المكوث أكثر فآثرت الرحيل .. غادرتنا سريعا دون وداع .. فالبقاء سيزيدك ألما .. سامحنا ...

" أنت منذ الآن غيرك " الرمز والغلو فيه والسريالية وعدم الوضوح ليست من
سمات قصيدتنا ، فقصيدتنا الأخيرة للشاعر الكبير محمود درويش عكس ذلك فهي
الوضوح المطلق للمتلقي فلا مجال للرمز لأن المخاطب قليل فهم وهم ( الإخوان )
فالصورة الشعرية منفية من القصيدة فلا مجال لها لأن المتلقي ( الأخ ) يجب أن يفهم
بوضوح ما يريده الشاعر لأنه كطفل لا يستوعب ما يقال له باستخدام الرمز ...
فقد بدأ شاعرنا محمود درويش قصيدته :

هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ، ونرى دمنا على أيدينا .. لندرك اننا
لسنا ملائكة .. كما كنا نظن ؟؟


كنا قد آمنا فعلا بأننا مختلفون شعب جبار خلده التاريخ وهنا صورة سقوطنا من
برجنا العاجي لنرتطم ونرى دمنا على أيدينا أيقظتنا من غفوتنا ..

وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ كي لا تبقى حقيقتنا
عذراء ؟

تساؤلات أثقلت صدر شاعرنا وهذا ما لا يطيقه كل حر فلسطيني فلم تبق حقيقتنا عذراء .

كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء
أن تصدق نفسك أسوأ من أن تكذب على غيرك !!
أن نكون ودودين مع من يكرهونا ، وقساة مع من يحبونا تلك هي دونية المتعالي
، وغطرسة الوضيع !

فلسفة درويش في الواقع الأليم أعلنها صراحة دون تنميق أو زخرفة ، فالواقع أننا
انسلخنا من جذورنا وأصبحنا وحوش إلا على الأعداء ..

أيها الماضي ! لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك !
أيها المستقبل : لا تسألنا : من أنتم ؟ وماذا تريدون مني ؟ فنحن أيضا لا نعرف.
أيها الحاضر ! تحملنا قليلا ، فلسنا سوى عابري سبيل ثقلاء الظل!

علامات التعجب والاستفهام والتساؤلات هي قصيدتنا لنعبر عن حالة الضياع ،
فالكارثة كبيرة وفوق الاحتمال فقد حصل زلزال لشموخنا ، ماذا حصل ؟؟!!
فلم نعد نعرف من نحن دسنا ما حققه الأجداد من صمود واستشهاد الكثيرين من
أجله رميناه عرض الحائط .. رجاء للماضي لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك ! رجاء
أخير من شاعر طال انتظاره ليحقق حلم النصر ...
المواقف اختلفت والهوية لم تعد واضحة فالواقع مشوه والجبابرة غادرونا وبقي
من كان في الصفوف الأخيرة مختبئا ليستلم الدور عنهم ...

ولولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار لكل عصابة نبي ولكل صحابي ميليشيا !!
أعجبنا حزيران في ذاكرة الأربعين : إن لم نجد من يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا
بأيدينا لئلا ننسى !

الشعب تفرق وتمزق وما لم يستطعه العدو استطاعه الشعب ، لم يستطع العدو
نخر الصفوف والقضاء عليها رغم العذابات التي ألحقها بالشعب ، رغم القهر ،
رغم الموت الجاثم على صدور شعب مهجر ، ومجوع ومقهور إلا أنه صامد !!
رغم كل هذا تفتت وتمزق تلاحم الشعب الصامد لأجل ماذا!!

مهما نظرت في عيني .. فلن تجد نظرتي هناك خطفتها فضيحة ! قلبي ليس لي ولا لأحد . لقل استقل عني . دون أن يصبح حجرا .

نظرة الشموخ والعزة والكرامة " أنا فلسطيني " خطفتها فضيحة أشد على يدك شاعري فقد أشعرتنا بألم الواقع المرير الحاصل هناك في الوطن البعيد القريب من القلب فقد رحل الشجعان الباسلون وبقي !!!

هل يعرف من يهتف على جثة ضحيته – أخيه : الله أكبر أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو : أصغر من كائن بشري سوى التكوين ؟
أخفى السجين الطامح إلى وراثة السجن ، ابتسامة النصر عن الكاميرا لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه
ربما لأن النص المتعجل كان أقوى من الممثل .
ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة ، لأنهما من جذر لغوي واحد ، فما حاجتنا للدولة .. ما دامت هي والأيام الى مصير واحد ؟

حقيقة صرح بها شاعرنا وموقف من السقوط الحاصل الآن في الوطن الصامد .. تغير العدو فقد أصبح العدو أقرب الناس كل يتهافت على الدنيا وعلى الكرسي من يدمر الآخر أكثر .. سلمت أيدكما ايها الأخوان في الوطن المحتل فقد فعلتم المستحيل .
فقد اختلطت علينا المصطلحات والمفاهيم فغدت الغشاوة على أعيننا فلم نستطع التمييز ...

لافتة كبيرة على باب ناد ليلي : نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة . الدخول مجانا وخمرتنا لا تسكر !
آه أيها العائدون القو بسلاحكم وتمتعوا بالنادي فقد آن لكم أن ترتاحوا فلم تعد فلسطين بعد !!

أنا والغريب على ابن عمي ، وانا وابن عمي على أخي وأنا وشيخي هذا هو
الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة في أقبية الظلام


وكأني أعرف هذا المثل لكن الأجداد فهموه بشكل آخر يا درويش أنا وأخي على
ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب ! لكنك صدقت فهناك في الوطن المحتل
تعبوا من المثل القديم فقد أصبح قديما باليا لكن الواقع والمصلحة والتكتيك
يتطلبان ما قلته لنغير المثل حتى يتماشى مع الواقع ليصبح منطقيا ، ومتماشيا مع
أهداف العدو !! إذن يا درويش من العدو !! رب عدو لك ولدته أمك !!!

من يدخل الجنة أولا ؟ من مات برصاص العدو ، أم من مات برصاص الأخ ؟
بعض الفقهاء يقول : رب عدو لك ولدته أمك !
لا يغيظني الأصوليون ، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة .
ولكن يغيظني أنصارهم العلمانيون ، وأنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلا
بدين وحيد : صورهم في التلفزيون !

يا درويش كم أنت صارم في هذه القصيدة أعلنتها للملأ فلا مجال للمواربة ..
هم لم يغيظوك وحدك فكلهم سواء أصدقاء وأنصار
يا درويش هم لا حول لهم ولا قوة !!
هل يدافع حارس جائع عن دار سافر صاحبها لقضاء إجازته
الصيفية في الرفييرا الفرنسية أو الايطالية .. لا فرق ؟
قلت : لا يدافع !


لماذا يدافع الحارس طالما صاحب البيت يستجم فقد تعب من المشوار وجهز
لنفسه ما يعينه من فتات الدنيا على الاستجمام والفرح والراحة .. فقد قام بدوره
وآن له أن يرتاح .. فلترقد يا درويش بسلام فالوطن بأيد أمينة .

وسألني : هل أنا + أنا = اثنين ؟
قلت : أنت وأنت أقل من واحد !

كما أنت دائما يا درويش لابد من التغيير في أسلوبك ونهج قصيدتك كما هو الحال
فقد أقحمت عالم الرياضيات والمنطق في قصيدتك لكن المنطق هنا لم يعد منطقيا
فقد تغيرت القواعد المنطقية بتغير كل شيء !!

أخجل من هويتي ،فهي ما زالت قيد التأليف .
ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون .

بصيص أمل بشعور فخر ولو بسيط أعطيتنا إياه في نهاية قصيدتك لمن بقي في
ثنايا روحه ذرة كرامة بعدم الخجل من الهوية .. فالوطن الآن يخجل من أبنائه !!
علينا تأليف ورسم طريق أفضل لنرفع رأس الوطن بنا لنزيل وصمة عار علتنا
وآن للوطن أن يسجل غيرها ولم الخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون
ربما نحقق من جديد ما كتب
" أنت منذ الآن غيرك " !
الوضوح التام والذي لا مجال للرمز فيه هي قصيدتنا فقد جسد شاعرنا الكبير
_رحمه الله_الألم والوجع الفلسطيني بتناحر الإخوة على ماذا ولماذا؟؟!
أسئلة كثيرة نعرفها ولا نعرفها ولا نريد أن نعرفها ...
فقد استوقفنا وأشعرنا بالآلم والقهر الحاصل من تناحر الإخوة وعدم الاتفاق
الفلسطيني كل ذلك بأسلوب غاية في الغرابة استطاع شاعرنا ايصاله لقلوبنا
وعقولنا وترك رسالة لأبناء الشعب الواحد الذي حقق ما لم يحققه العدو .. ليقف
العدو مشدوها من شعب لم يستطع إخضاعه بل أخضع نفسه بنفسه ليفرح بنصر
لم يقدر على تحقيقه طوال عشرات السنين ...
" أنت منذ الآن غيرك " قصيدة تمرد فيها على كل شيء على شكل القصيدة
واسلوبها وقافيتها فالواقع متمرد اختفت ملامحه وهكذا القصيدة أراد أن تكون
صفعة قد تعيد الوعي لشعب طالما ناضل وشارف على الانتصار ..
نعتذر منك يا درويش فأنت منذ الآن غيرك .
وأخيرا يا درويش لو كنت ما زلت بيننا لحددت موقفك أكثر.. ولعرفت
ماذا حصل بعدك وكيف آلت اليه الأمور.. وكيف تصنف الناس (الأخوان) أخ باع اخاه من أجل حفنة دولارات.. وباع وطن الأجداد.. ينهش من يقاوم الأعداء بل ويقف مع عدوه يسانده ويدعمه ..
لن تفرح يا درويش لما حصل بين قابيل وهابيل الفلسطينيين ..المقاوم الصامد والعبد الراكع في حضن سيده ..وداعا درويش ..