النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة نقدية لقصة سقف المغارة للقاص الفلسطيني منذر أبو حلتم




بقلم : رحاب فارس الخطيب

لقراءة القصة يرجى استخدام الرابط التالي :
http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=101

"تنظر إلى السقف بتحدٍ عنيف ..صورة واحدة يجب أن تسيطر على عقلك المشتعل .. أختك هدى ! المشرط الملتهب يقترب من مكان الرصاصة .. يخيم الصمت .. أختك هدى .. لقد قتلوها .. لقد تألمت أكثر منك .. يرتفع صوت الحديد المحمى وهو ينطفئ في اللحم ..آخ " أقف بإعجاب شديد أمام كاتب وأديب وشاعر ..لقد تابعت إبداعات أديبنا وشاعرنا فلم أجدني إلا عاجزة عن إيجاد تعبيرات تفيه حقه ..إلا أن كتاباته تدخل القلب والعقل دون استئذان .. وقصة ( سقف المغارة ) من القصص القصيرة المتميزة ضمن مجموعته القصصية ( للبحر وجه آخر ) .. والتي سعدت بالاطلاع عليها عند نشرها .. قرأت القصة مراراً عديدة وفي كل مرة أشعر برغبة عارمة لمعاودة قراءتها ..
فالقصة رغم أنها قصة قصيرة .. إلا أنها جاءت مفصلة متكاملة وكأنها رواية .. مختزلة .. وهذا شيء أجده في قصص مؤلفنا .. حتى القصيرة جدا منها ..فالمكان واضح تماما لديه وهو الوطن المحتل من خلال ذكره لمدينة ( الخليل ) .. أما الزمان ففي أحد أيام النضال ضد العدو .. فلا يهم أي يوم لأن أيام الاستعمار واحدة ولا مجال للتخصيص .. ولا فرق . وبالنسبة للأحداث فقد بدأها الكاتب عندما أحاط به أصدقاؤه وهو ممدد على الأرض وقد اخترقت قدمه رصاصة وبأسلوب شيق تداعت فيه الأحداث من خلال شخص البطل نفسه وتذكر ما جرى معه والتحدي الذي استشعره من خلال رفاقه ومسيرتهم في النضال .. ومن خلال تذكره لأخته هدى .. التي من الواضح أنها تترك أثراً جلياً في نفسه .. فقد استشهدت وتألمت كثيراً .. تذكر كل ذلك فكان عوناً له في تحديه لتحمل الألم ..
أما شخصيات القصة .. فأهمها شخصية البطل ولم يحددها كاتبنا باسم معين فكل الشباب هم البطل ولا فرق .. وهنا تكمن الروعة .. كذلك الرفاق هم المناضلون هنا وهناك لا فرق إن كان أحمد أو محمد أو أياً من الأسماء .. فالأسماء هنا لا ضرورة لها فالشخصيات تتكرر هنا وهناك في الوطن المحتل . أما شخصي خالد الطالب الطبيب الذي يملك جرأة قد لا يملكها أطباء كثيرون قد تخرجوا من الجامعة إلا أن احتلال البلاد يفرض على طالب الطب أن يكون جراحاً قبل أوانه وعلى الطفل أن يكون رجلا مسؤولا عن أوطان ..!
أما العقدة فتجلت في تأخر خالد ) طالب الطب ) بسبب الحصار ..وقد انتهت بمجيئه واستخراج الرصاصة من قدم بطلنا الشخصية الرئيسة في القصة .. هذه العناصر . أما الصور الفنية فقد ابدع الكاتب أبو حلتم في رسمها ومدلولاتها العميقة الأثر في النفس لا تمحى بل تبقى مؤثرة مؤلمة تذكرنا بحاضرنا المرير من الذل والخضوع الذي نحياه . وقد استطاع من خلال وصفه الدقيق جدا أن يشعرنا بما كان للبطل من إحساسات ومشاعر .. مشاعر حب للوطن ، ومشاعر إنسان عادي يتألم لكنه يحاول إظهار القوة .. يستجمعها من الذكريات ومن مواقف الرفاق . الصور عند كاتبنا معبرة جدا تعبر عن نضال شعب أعزل إلا من الحجارة في مواجهة دبابات وسيارات عسكرية مصفحة ومدججة بالسلاح .. فسيارة العدو ( الجيب العسكرية ) تزمجر أثناء مطاردتها للشبان .. كذلك عند التعبير عن نفسه كما جاء من خلال مونولوجه الداخلي بأنها ( تتشبث بالواقع ) وكأن الواقع شيء مادي يتشبث به .. وفي ذلك دلالة على حب الحياة .. فنحن نعرف بأن الشهيد هو اكثر الناس حباً للحياة .. فيقدم في سبيل ذلك روحه ليصنع حياة أفضل إن لم تكن له فللآخرين وليخلد هو كذلك في جنان الله سبحانه وتعالى . هذا وقد كرر الكاتب ( ضوء السراج الشاحب ) أكثر من مرة ..وفي ذلك دلالة على الحالة النفسية القلقة والألم الشديد الذي عاشه بطلنا أثناء إصابته .. وفي النهاية تحمل البطل الألم بصبر وشجاعة لا يستطيعهما الكثيرون .. فقد عشت دقة وصف الحدث لحظة بلحظة وشعرت بألم مشرط الحديد المحمى وهو ينطفئ في اللحم وقلت مع البطل : آخ ..! وكأن الرصاصة استخرجت من قدمي أنا .. وهنا يكمن إبداع أديبنا أبو حلتم والذي استطاع وبحق أن يدخلنا في جسد البطل .. نشعر ونتحسس الأحداث وكأننا هو ..وهذا شيء ليس بالسهل ولا يأتي إلا من مبدع حقاً . أما ذكره للمغارة أكثر من مرة وتسميته القصة بسقف المغارة .. فالمغارة عند الثائر هي البيت الآمن لأنها تحميه من الأعداء الذين يخافون الوصول إليها لأنها معقل الأبطال وجزء من من الوطن يحتضنهم .. أما الأعداء فيخافون تلك الأماكن ولا يجرؤون على الذهاب إليها فلا تحتضن الأم إلا أبناءها .. فنلاحظ هنا أن الكاتب ركز على سقف المغارة وذلك لأن بطل القصة مصاب وملقى على الأرض فكان السقف بالنسبة إليه مكان عرض ، تعرض فيه الأحداث الماضية .. فقد جاء في القصة ( وعلى سقف المغارة تدور الصور في دوامة غريبة ) وجاء كذلك ( دوامة الصور تدور على سقف المغارة ، رصاص , رصاص كثيف .. ) وقال ( تنظر إلى السقف بتحدٍ عنيف .. صورة واحدة يجب أن تسيطر على عقلك المشتعل .. أختك هدى( ..
فالمغارة هي مسرح تخيلات البطل من قلق ألم و أمل وذكريات .. إلا أننا نجد الحالة التي عاشها البطل قبل استخراج الرصاصة قد تغيرت حال استخراجها حينما انتشرت رائحة الميرمية ( والميرميه نبته بريه عبقة الرائحه تنتشر على مساحات فوق أرض فلسطين .. تستخدم كعشبة طبية وتضاف شتاءً مع الشاي لتعطي طعماً لذيذاً ) .. لتعطي الأمل .. ومع ذلك الأمل فالتساؤل بمن منكم سيستشهد غداً ومن سيبقى ؟! يترك اثراً قوياً في النفس .. فالنضال مستمر والتحدي باقٍ إلى أن يتحرر الوطن ..
نهاية :
لقد عشنا عذابات شعب ونضال مستمر فلم ينه الكاتب القصة بالنهايات المألوفة لأنها عبارة عن مشهد من مشاهد الحياة النضالية في الوطن المحتل تتكرر يوميا في كل لحظة إلا أنه أعطانا الأمل رغم التساؤل المقدم في نهاية القصة .. لكن البطل ينظر إلى أصدقائه ويشعر بأنه قوي جدا .. ويبتسم بالرغم من أن الواقع مرير إلا أنه ابتسم لغد مشرق مضيء بأبنائه .. بمن يقدمون روحهم في سبيل الحق .
في نهاية مطافنا .. كل الشكر للاديب الاستاذ منذر أبو حلتم على هذه الرائعة وأتمنى أن نقرأ ونقرأ له إبداعات قادمة إن شاء الله .