النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة لقصة ( مع الغروب .. حكاية من الوطن ) للاديبة لمى خاطر


بقلم : رحاب الخطيب


- لا اعرف لماذا حين يقترب الجرح من الالتئام لا يلبث ان ينفتح من جديد ، لا ادري لماذا حين تقترب اجمل اللحظات من ذروتها تنقلب الى النقيض ..-

اديبة من الوطن المحتل .. استطاعت ان تتعامل مع الاضداد بقدرة وابداع كبيرين .. الا وهي الاديبة لمى خاطر .. فقد قدمت قصة جسدت فيها مرارة الواقع ومفارقاته بسبك ومهارة فائقتين .

قدمت لنا لمى عبر عناصر القصة عملاً ادبياً يعبر عن رسالة سامية .. رسالة شعب يئن ويتجرع المأساة ، شعب محروم من الحلم بحياة هانئة خالية من طعم المرارة والغصة الساكنة في الحلق . اجادت الكاتبة من خلال عرضها لعنصري الزمان والمكان .. فأظهرت بطء الوقت والساعات .. وعبرت عن موقف خاص للزمن حيث رسمته لنا في نهاية القصة على غير ما ألفناه في القصص التقليدية .. فالزمن جاء هنا ( وقت الاصيل ) وهذا اضفى على القصة بعداً شاعرياً مميزاً ..

والاحداث في القصة لا بداية واضحة لها ولا نهاية فسيان البداية والنهاية .. لأنهما متكرران في كل لحظة وكل يوم في دوامة لا تنتهي ..!!

اما المكان فهو المقعد الخشبي تحت شجرة السرو .. وذكر كذلك السجن الذي قتل ويقتل احلام الملايين من ابناء الوطن.
اما الشخوص بالرغم من محدودية عددهم واقتصارهم على شخصيتين منفردتين ( هي وهو ) فقط ..الا انهما جسدا الشعب بأكمله بأحلامه وآماله وتطلعاته وآلامه .. فلا حاجة للشخصيات الثانوية هنا ، فالشعب بكامله إما هو او هي !
والعقدة لا حاجة لوجودها في هذه القصة ، فالاحداث تتصاعد في القصة التقليدية لكنها هنا متكررة في كل يوم فالشعب يناضل ويسجن .. والاحداث تتصارع في كل لحظة فهي متكررة كثيرة الحصول .. لهذا جاءت متداخلة هنا .. مشكلة النسيج الداخلي للقصة دون حاجة لعقدة واحدة مميزه ..فالاحداث اخذت بالصعود تارة والهبوط تارة اخرى من خلال عنصر تشويق بين استطاعت الاديبة حبكه بعناية فيشعر القارئ انه في حاجة ماسة ليعرف ماذا سيجري استنتاجاً منه لما قد حصل لبطل القصة .. كل ذلك في قالب من الصراع الداخلي ( المونولوج ) المستخدم بعناية ..

ومن ابداعات الكاتبة كذلك انها استطاعت استخدام الصور المعبرة والمؤثرة في النفس لتوصل الهدف والغاية من هذه القصة .. فقد عبرت عن تلاشي الاحلام وعدم الأمل في تحققها بالذوبان فقالت : ( لم اتخيل ابداً ان كل احلامنا ستذوب هكذا … )
اما الشعور بالعجز فقد جسدته بمهارة في قولها : ( لا ادري أي قوة كبلتني فلم استطع ان اجيبها .. )

كذلك الدموع فقد ( غطت مساحات الوطن في عينيها .. ) وهذه صورة جميلة ، فالوطن متربع في القلوب ولا ترى غيره العيون .. وفي النهاية فقد رمزت للحزن والالم بالغيوم السوداء ..

صور عديدة عبرت من خلالها الكاتبة وجسدت الالم فظهر جلياً محسوساً بآهاته ومتاعبه التي لا تنتهي ..
الا ان التشبث بالأمل لم يغب عن بال اديبتنا فأعطت بصيص امل بالرغم من ضبابية الحالة المعاشة عندما تحدثت عن ( رفض الشمس ان تحتجب خلف الغيوم السوداء حين يبزغ الصباح ) .. وفعلا نحن في امس الحاجة الى امل يعيد الثقة بالنفس .. وبأن الغيوم السوداء لا تستطيع حجب الشمس الى ما لا نهاية .. فالستة فصول اربعة ..

ومن ابرز ما استطاعت الاديبة ايضاحه والتعبير عنه هو شخصية الفتاة كما جسدتها شخصية البطلة في هذه القصة .. فالبطلة هنا فتاة عادية تحلم بالاستقرار والطمأنينة في ظل رجل حقيقي يحمل الهم ولا يعيش لذاته وحسب .. فهي انتظرته وستنتظره وصار الصبر زادها والدعاء في جوف الليل سلاح الامل ..وهي صورة جميلة تعبر عن حلم الانسان البسيط الذي يواجه احداثا وظروفا غير طبيعية ..صورة للفتاة العربية التي تجد نفسها في صف النضال مختلفة عن رفيقاتها في بلدان اخرى واماكن اخرى ..فلم تعد تحلم بالفارس القادم على حصانه الابيض .. بل غيرتها الظروف واصبحت تشارك الرجل احلامه ونضاله وآماله وآلامه ..وهو نموذج جميل ومتكرر هناك في الوطن المحتل حيث نرى المرأة والرجل .. يمضيان معا نحو تحقيق الحلم والامل . وحتى مشاعر الحب والاعجاب المتبادل مختلفة .. فالحب له طعم النضال .. والنوى والشوق بسبب السجن والاعتقال والابعاد .. فالهم الخاص مرتبط تماماً بالهم الوطني العام ..

لقد عشنا قصة تحمل الهم العام في طياتها .. استطاعت الكاتبة من خلالها ان توصل رسالة واضحة عن شعب يحب لا كغيره من البشر .. يرتبط بالوطن فيقدم الوطن على نفسه .. شعب يتميز بصموده وصبره وكذلك بحبه وآلامه ..