النقد مرآة الأدب .. هو انعكاس الضوء على صفحة بحره العميق .. وهنا في موقعي .. أضع بعض اعمالي النقدية لعدد من الإبداعات العربية المختلفة .. بالإضافة الى بعض كتاباتي الخاصة.... رحاب الخطيب

الموقع باللغة الانجليزية

  

Web site in English    من العربية إلى الإنجليزية

قراءة في قصة ( الوجه الذي من ماء .. للكاتب السعودي جبير المليحان )

بقلم : رحاب فارس الخطيب

اولاً : القصة



- 1 -
رقص البحر بجدائل من سعف لونها : مطر أبيض كورق ضوء جديد يخلق لأول مرة . و تساقط الماء في الكفين كوجه : ماءٍ وديع و طري.
كن البحر ..
و الشاطئ ..
و .. كانت الكفان تلتصقان ، والذي كوجه ماء وديع : يرتعش .. و يرتعش .. ويرتعش ، و يأخذ مظهراً بضاً كبشرة رقيقةٍ ، رقيقةٍ ، رقيقة .
.. و بسرعة كانت له عينان ، و أنف ، و فم صغير به أسنان بيضاء صغيرة ، أخذ يتنفس ، و عيناه ترمشان ، و كان يخطو . كان جميلاً كله ، و بلونٍ عذبٍ .. عذب .
و عندما كانت الكفان تلتصقان ، وتنمو بينهما غابات الدفء : كان الوجه الوديع ينمو بدفءٍ ،
وكان البحر ،
والشاطئ الرملي ،
و الوجه الوديع كان .
- 2 -
و الوجه الوديع الذي من ماءٍ يترعرع مطراً يسقي أعشاب الكفين ، والكفان المتلاصقان ينفحان الوجه الوديع دفئاً :
كان قلق صغير .. صغير ، مزعج و يتحرك ، و كان طائران أبيضان من طيور البحر .. فوق الشاطئ الرملي ..
و البحر : مد الوجه الوديع رقبته .. الطائران يبتعدان قليلاً .. حاولا أن يطير ، خلف طيور البحر .. فوق البحر ، و فوق البحر ، وفوق الأرض .. و يطير . تقافُـز جسمه بالحركة ، و ترعرعه مطراً ، وعطش الأعشاب المنتظر مطرهُ كانت تطوي تلك اللهفة المنتهية بالانكسار . تقافز جسمه قاد الكفين : ذهبا حيث الشاطئ الرملي الأصفر : يغنيان . كان الوجه يحدق في الماء ، في الأسماك التي تسبح في الماء في الأسماك التي تمشي في الماء و لا تتوقف . و ودّ لو كان سمكة . قال لنفسه : أنه ليس غيمة أو ريح .
- 3 -
الكفان ، هاهما : أغنية زرقاء ، غيمة ربيع ، ورقة جديدة .
- 4 -
كان البحر والشاطئ و الكفان : غابة صغيرة و خيول ولعب . جبال ملونة و ماء . نخلة يلعب الأطفال تحت ظلها و يأكلون ، و يغنون :
الكفان ،
و الوجه الوديع يدنو ، ويحدق في البحر و يدنو ، ويحدق في البحر ، و يود لو يكون : سمكة .. طائراً .. غيمة .
- 5 -
و عندما كانت الخيول الصغيرة و اللعب .. و الفرح ، و الجبال و الغيوم و الغابة و الماء و النخلة .. الكفان : تسقط ، و الوجه الوديع الذي كوجه ماء وديع وطري : تتلاشى أعشابه على الرمال الصغيرة على الشاطئ الأصفر ، بجانب البحر ، وسط الكفين ، وهي ترتعش .. كان الذي يلبس عقالاً و غترة : يقترب .. يقترب .. يقترب .
- 6 -
… آثار أقدام الكفين ..
… مواطئ القدم ..
على الرمال الصغيرة على الشاطئ الأصفر بجانب البحر الذي بدأ يزحف على الرمال ..
الناس يركضون …

---------


القراءة النقدية


قصة الدلالات والصور الرمزية هي قصة أديبنا المبدع جبير المليحان
لم يبدأ الكاتب القصة بالأسلوب المباشر لتتضح عناصر القصة ..فلم يأت الزمان واضحاً ولا المكان .. كذلك الشخوص ،
انتهاءً بالعقدة والحل إلا أنه لا يشترط في القصة الحديثة وجود العقدة والحل كما هو معروف ..
اعتمد الاستاذ جبير الرمز والدلالات البعيدة ليعبر عما أراد .. لهذا سأتناولها في تحليلي لهذه القصة ..
فغموض العناصر الفنية للقصة يعطي بعداً لها ليدل على حالة اللا وضوح وضبابية كثير من الأمور التي يحياها الإنسان في صراعه مع الحياة .
أما بالنسبة للصور الفنية فقد أبدع أديبنا في وضعها حيث عبر عن الحركة الصادرة عن البحر بالرقص وربطه بالمكان فذكر جدائل السعف .. حيث قال : ( رقص البحر بجدائل من سعف ) فجاءت صورة جميلة . كذلك ( تساقط الماء في الكفين كوجه ماء وديع وطري ) .. صورة غريبة لتكون البحر والشاطئ ..
أما إعطاء الوجه الجديد ( البحر والشاطئ ) صفات تشخيصية كالعينين والأنف والفم الصغير به أسنان صغيرة .. فهي تعطي إيحاء برقة وعذوبة المكان .
حتى الغابات التي نمت في المكان ( غابات دفء ) فالمكان حميمي المشاعر ورقيق .
والصورة العذبة تمثلت في تعبير أديبنا بقوله : ( والوجه الوديع الذي من ماء يترعرع مطراً يسقي أعشاب الكفين ، والكفان المتلاصقان ينفحان الوجه الوديع دفئاً ) ..فالعلاقة علاقة حب ودفء مشاعر متبادلة أخضر المكان واعشوشب بها فكان جميلاً ..!
حياة هانئة وديعة .. إلا أن شيئاً ما حدث فجأة قلب الحياة الرغدة فغير حالها ..
وبظهور الطائرين ومحاولة طيران الوجه الوديع لتقليدهما ..حيث طار وابتعد عن المكان مخلفاً عطش الأعشاب المنتظر ..
فالبحر والشاطئ والكفين .. كانت مسرحاً للعب الأطفال وللخيول والمرح .. غناء الأطفال تحت أشجار النخيل كان رمزاً للحب وللعطاء بلا حدود .. الكل فرحون تغمرهم السعادة ..رأى الوجه الذي من ماء كل هذا وهو بعيد محلق نحو الشاطئ الرملي الأصفر .. إلا أن كل هذا انقلب الآن فالأعشاب بغيابه تتلاشى على الرمال الصفراء وترتعش ..
هناك خطر محدق يقترب ويقترب ليجعل الجميع يركضون لا يدرون ماذا يحصل ..
( كان الذي يلبس عقالاً وغترة يقترب .. يقترب .. يقترب .. ) وهنا يتضح بأن الخطر يداهم الجميع وليس خاصاً بمكان بعينه .. وهذه العبارة توحد الكل في تعرضهم لما سينزل بهم من خطر يفرد جناحيه عليهم جميعاً في كل مكان وقطر ..
القصة رمزية تأخذ ابعاداً عامة تحياها الأمة .. تصف حالة الهناء ورغد الحياة واخضرارها ..بداية بدلالات العشب وغناء الاطفال والخيول الصغيرة والفرح والجبال والغابة والماء والنخلة .. لكن كل شيء تغير حيث تلاشي الأعشاب والخوف القادم بدلالة ارتعاش الكفين .. والناس وهم يركضون ..كل ذلك يخرج القصة من المعنى الخاص لتأخذ بعداً عاماً متلمساً الأحداث وما يجري للأمة بسبب الخطر الذي داهمها .. وعدم معرفة ماهياتنا وماذا نريد .. فتهنا في عالم الضياع ..ولم نستطع الرجوع .. وابتعدنا ليحل الخطر مكاننا ..
قصة رمزية قد نفهمها ونفسرها بأبعاد عدة ..رائعة من حيث الصور .. غريبة الفكرة ، تطرح أبعادا إنسانية وقومية بأسلوب الرمز غير المباشر ..
وكذلك فإن عنصر الخيال جلي إذ استطاع الكاتب أن يحلق بمهارة في مشاهد تصويرية عذبة وجميلة لتوصيل فكرة حالة الصفاء في بداية القصة وحالة العكر التي حصلت فيما بعد ..
قصة الأبعاد والصور والدلالات هي قصتنا .. قصة معبرة قوية اللفظ بعيدة المعاني .. لها وقع بيّن في النفس ويترك تساؤلات كثيرة …